لعبة المفردات أم مفردات اللعبة 2 من 2



2 من 2

 

من تاريخ صراع المفردة ونماذجها:
من الأمثلة البارزة على تأثير المفردات اللغوية التي يختارها المحررون، ما حدث في فجر يوم الاثنين 22 مارس 2004 لحظة اغتيال مؤسس حماس الشيخ الشهيد أحمد ياسين وتسعة من مرافقيه على أيادي ثلاثة صواريخ انطلقت من طائرات أباتشي للاحتلال الإسرائيلي الآثم، وقد وفقت قناة العربية تقنياً وزمنياً عندما أذاعت الخبر قبل الجزيرة بسبع دقائق كاملة، -وعليه نال مراسل العربية في غزة “وائل دحدوح”، الذي انفرد بالخبر مكافأة ضخمة من مسئولي القناة-،إلا أن التوفيق الأبرز كان على المستوى اللفظي، عندما وفقت في صياغة الخبر ،باستخدام لفظ “استشهاد” في خبرها الأول، بينما فضلت الجزيرة تعبير ”اغتيال”، ووصف أحد مصادر الجزيرة أن سبق العربية ببث الخبر طيلة هذه المدة أصاب العاملين في الجزيرة بالارتباك، وأن هذا هو السبب المباشر في اختيارهم لفظ “اغتيال” عند بث الخبر، وأيضاً من الأمثلة البارزة ما تم أثناء حرب فيتنام من تلطيف للعبارات المستخدمة للتعبير عن العنف والمذابح ،فالتقارير العسكرية أضحت تستخدم مفردات “التهدئة” بدل “التخريب”،و”الإنقاذ” بدل “التدمير”( )، وعموماً يقف وراء ترويج بعض المصطلحات لأشخاص أو أحداث أو أمكنة، دوائر السياسة الإعلامية، التي تسعى للتمويه وتحسين القبيح، وجعل الحقيقة السيئة مقبولة لغوياً، كوصف الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة “بالتطهير العرقي”، فالأخبار كثيراً ما تستخدم بعض المفردات بدلالات تخفي المعاني الحقيقية للوقائع والأحداث، وذلك كنوع من الإخفاء الأيدلوجي الذي يؤدي بالنهاية إلى نوع من التستر على حقيقة الواقع المعاش ،وليس أدل على ذلك من استخدام مفردة “النكسة” للتعبير عن هزيمة يونيو “حزيران” 1967( ).
وهكذا تظهر مشكلة السلوك اللغوي، التي تستخدم فيها الكلمات دون ضوابط أخلاقية، مثل كيفية استعمال الكلمات، ذلك أن هذا الاستعمال قد تكمن وراءه بواعث انفعالية لا شعورية، وهذه الألفاظ حينما نضعها تحت مجهر التحليل العلمي سنجدها تقع ضمن أساليب الدعاية النفسية التي تدعى بالعنونة( )،فللسلطة قاموس مفرداتها اللغوية، وللمعارضة قاموسها، وللمحتل مفرداته ،وللمقاومة تعبيراتها، ومن هنا كان الفيلسوف الفرنسي “فولتير” محقاً حينما قال: قبل أن أبحث معك أي شيء، لا بد أن تحدد معاني كلماتك( )، وهذا لا يخرج عن ما وجده “فندريس” من أن الكتاب يصنعون بالكلمات ما كان يصنعه الملوك القدماء بالنقود، يفرضون القيمة التي يريدونها، ويحددون لها السعر الذي على كل فرد أن يقبله، وبذلك ينفذ فينا شيء من عقليتهم، ولهذا تأتي المفاهيم في صورة مفردات أو تركيب لغوية مركزة يتم تطويعها في سياقات ذات صلة بما يعبر عن الموقف من الوقائع المقدمة.
إن علاقة المحرر بالألفاظ المفردة –كما يشبه الجرجاني” هي علاقة الصانع بمادته الخام، لذلك تكون القصة الإخبارية أكثر قوة وفعالية عندما يختار المحرر الكلمات التي تتداخل وتتشابك فيها المعاني المتضمنة أو الإضافية “Connotative”، مع المعاني الدلالية أو الإشارية “Denotative”، أي المعاني الواضحة الجلية “Explicit”، مع المعاني المضمرة أو المتضمنة “Implicit”،ومن هنا ترى “ريتش” أن على المحرر أن يستخدم في صياغته الإخبارية أفعالاً قوية تفيض بالحيوية، فبدل القول “كان هناك ألاف الناس يريدون مشاهدة البابا” قل: “اصطف آلاف الناس لرؤية البابا”، فالجمل التي تبدأ بمكان “There”، تجبر على استخدام فعل ضعيف، كفعل الكينونة “To be”، فالمصطلحات المهنية “Jargon”، والكلمات والعبارات المتكلفة والمستهلكة غير المفهومة “Clichés” مثل: “جدل ساخن، منافسة حامية الوطيس، تأثير لاذع”، إضافة لما يطلق عليه مدربي الكتابة من لغة مصطنعة “كلام جرايد” كلها تشبه الإصابة بنوبات قلبية صغيرة، وعليه تدعى الأفعال الضعيفة غير ذات الخصوصية “بالأفعال الجوفاء، Washy”، مثل: “وقع، حدث، تم”، فالحريق لا يقع بل يحرق ،والانفجار لا يحدث بل يدوي ..”، وبالتالي فالابتعاد عن هذه الأفعال والكليشهات الجاهزة المستهلكة سوف يؤدي بالمتلقي إلى اقتصاد ذهني ينعكس إيجاباً على مجمل إدراك الخبر وفهمه واسترجاعه.
ونظراً إلى حقيقة أن الجملة تتحرك على فعلها وفاعلها، فإن مسألة اختيار الأسماء والأفعال تعد جوهرية لجعلها قابلة للإدراك، وجعل مفرداتها قابلة للرؤية والتذوق والإحساس وحتى الشم، بالمقابل فإن اللغة هي التي تصنع القواميس وليس العكس، وهذا يعني ضرورة عدم استخدام الكلمات الرنانة ذات الوقع إلا بحكمة تتسم يحسن التمييز، فاستخدام مفردات مثل “كارثة، مصيبة ،إخفاق تام، الذروة، الأوج الانهيار” بكثرة سوف يفقدها الحياة، ويصبح ذلك تماماً مثل “الصراخ طلباً للنجدة من الذئب حينما لا يكون هناك ذئب”، وبالتالي فعند دراسة مدلولات الكلمات وتغير معانيها لا بد أولاً من مراعاة الوسيلة التي تقدم بها المعلومات، فالكلمات الحية تدوي على شاشة التليفزيون، وتقوم بوظيفة مختلفة عن تلك التي تقوم بها في الصحافة أو الراديو، ولا بد ثانياً من مراعاة السياق المحيط بها وموقعها من النص؛ إذ تكتسب ألفاظاً معينة أهميتها بسبب موقعها السياقي، أو ترجع قيمتها إلى أهميتها النصية، البالغة بدرجة أكبر من معناها المعجمي، وكما يقول “باسكال، Pascal”، أن الألفاظ ذات الموقع والترتيب المختلف لها معان مختلفة، والمعاني ذات الترتيب المختلف لها تأثيرات مختلفة( )، ولأجل هذا يرى “برتراند سيل” أنه قبل النظر في معاني الكلمات، يجب تفحصها على أنها أحداث في العالم المحسوس، لكن دون أن يجعلنا ذلك ننسى ما يعتبره “جون لاينز” من أنه لا يمكن فهم أية كلمة على نحو تام بمعنى عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها، والتي تحدد معناها( ).
لقد قام مؤسسا نظرية الأفعال الكلامية “سيرل وأوستن،Austin  & Searle” بالتعليق على فرضية شهيرة وضعها “فيتجنشتاين، Wittgenstein” تحدد أن: “معنى الكلمة هو استخدامها”، أي أن العوامل الذرعية هي في النهاية التي تحدد المعنى الحقيقي للكلمات، والوحدات اللغوية الأخرى، وعليه عرف “سيرل وأوستن” التلفظ بحد ذاته على أنه: “فعل أو ممارسة أو تصرف، ويتوقف عليه بشكل أساسي بناء ما يمكن تحقيقه من العمل اللغوي، بمعنى: “كيف تؤدي الأشياء بالكلمات، How to do Things With Words”، حيث أنه بنطق كل جملة مفردة يتم جزء من الأحداث (الأفعال) المختلفة لرسالة النص.
ويعرف “إيزنبرج، Isenberg” الوظيفة الاتصالية لفظياً بأنها مجموع كل الصفات في الجملة الهامة لبناء النص، التي لا يمكن تلخيصها لبناء دلالي أو معجمي أو نحوي أو فونولوجي، فهي تضم كل هذه الوحدات المركزية، وبالتالي تصبح المفردات والألفاظ التي تستخدم في الأخبار الاتصالية من أهم أبنية النص وتسمى “أبنية المقاصد”، مثلها مثل بناء الخبر ككل، وتضمين معلومات دون سواها فيه، لأنها تحدد مقصد المرسل ونيته، وبالتالي تقسم هذه المفردات إلى ألفاظ الأحداث التالية:
-    أحداث القول: مثل أفعال ومصطلحات: “التصريح والادعاء والقول والتبيين أو إظهار البيان، والتأكيد ..”، فاللغة تتضمن عشرات المفردات التي تشير إلى القول، ولكل منها معنى يحدده التزام المحرر بالدقة، فكلمة “كشف” تشير إلى القول عن ما كان سراً، وكلمة “أدعى” تشير إلى محاولة تصحيح انطباع خاطئ ،كما تشير مع كلمة “زعم” إلى التشكيك بقول القائل، لذلك يرى “كورتيس ماكدوغال” أستاذ الصحافة بجامعة “نورث ويسترن”، أن على المحرر أن يتردد كثيراً في استخدام أفعال “غير محايدة” مثل: “أكد، أوضح، صرح، أشار، بيّن ،أدعى، اعترف، استكشف، أهان، اعترض، زأر، حاول، صرخ، هدد، همس، لاحظ، طالب أنكر”.
-    الأحداث اللغوية المقننة اجتماعياً: مثل أفعال ومصطلحات: “الشكر والتهنئة والاعتذار والتأسف والتفويض والتهديد والوعيد والوعد والرفض والتصحيح والنفي والإقرار .. ..”.
-    الأحداث اللغوية ذات النتائج الاجتماعية: مثل أفعال ومصطلحات: “الاستقالة والإهداء والافتتاح والإعلان والرثاء والمدح والتسبب والرجاء والأمر .. ..”.
-    أحداث النداء: مثل أفعال ومصطلحات: “الطلب الملح الموجه لإتباع معايير معينة”.
-    أحداث رد الفعل: مثل أفعال ومصطلحات: “الجواب والنقض وحل التعقيدات .. ..” ( ).
-    أحداث القول المرافقة للظروف: مثل ما يأتي بعد فعل القول: “قال متهكماً، متجهماً، متعمداً، بغضب، بهدوء، بعدم اكتراث، بضيق، باستفزازية.. ..”.
ولا تخرج طبيعة هذه الأفعال عما وجدته نظرية الكلام التي قسمت الفعل إلى ثلاثة أنواع، هي: فعل التكلم، بمعنى إنتاج بينة من الكلمات، وفعل الحديث لخلق جوا تفاعلياً بين المتحدث والمتلقي، كالوعد والتحية، والتفاخر، وفعل أفعال الكلام المؤثر الذي ينتج تأثيرات مقصودة في السامع الخوف والإقناع، وبالتالي تحدد هذه الأحداث “صيغة الاتصال” من خلال “صيغة المعلومة” في الأخبار، والتي ترجع إلى أبنية النظائر في النصوص، مثل صيغة الإقرار والإبلاغ، أو التوضيح، أو الربط، وغيرها من الصيغ المكملة.
إن إدراك المعلومات يتم عبر نماذج ذهنية أكثر مما يتم عن طريق التفكيك المعنوي للمفردات، لكن هذا لا يمنع أن بعض المفردات لها تأثير أكبر على الإدراك والاسترجاع، كون أن مفردة دون سواها تسهم في تكوين النموذج الذهني للمستقبل، فقد وجد “أندرسون، Anderson” وزملاؤه أن كلمة “قرش” تسهم في إدراك خبر عن رجل تعرض لهجوم في البحر أكثر من كلمة “سمكة” تهاجمه، كون أنهذه المفردة تساعد المستقبل على تكوين نموذج ذهني يكون فيه الحدث والعناصر ذات العلاقة ممثلة.
وعادة يقوم بإنجاز الأفعال اللغوية فرد أو جماعة، كما يمكن أن توجه إلى فرد أو جماعة أو مؤسسة، وهذا ما يمكن من طرح مسألة : الاستيعاب الاجتماعي للمعلومات”، فمثلاً حدد “إدجار دال وجين شال، J. Chall & E. Dale” قائمة تتضمن ثلاثة آلاف كلمة إنجليزية تحدد مستوى صعوبة وقوة الكلمة( ).
إن الحركة الفكرية الداخلية للمرسل لا تتجلى إلا من خلال صياغة لغوية خارجية، وهذه الصياغة تعتمد المفردات ركيزتها الأولى، ثم يتم دفعها إلى السياق لتأخذ طبيعة جملية، ثم تندفع من هذا السياق الأصغر إلى السياق الأكبر لتشكيل معنى الرسالة( )، ومن هنا يتحدد دور المفردات “المفتاحية” في الكشف عن توجه المحرر عندما يشكل رموز رسالته الخبرية، سواء الكلمات المتعمدة أو اللاشعورية التي تتشكل تلقائياً في رسالة مفترض أن وظيفتها إخبارية بحتة، وليس توجيهية أو تحليلية.                             

نهاية المقال

 

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية.

 

 


تابعنا :
آخر الأخبار :