أنا والرئيس ترامب: لماذا مازلت أؤمن بالعلاقات العامة الأخلاقية



غاي فرساي

رئيس "فرساي كوميونيكيشن"

ترجمة: عنان تللو

 

ما لا يمكن إنكاره هو أن دونالد ترامب فاز في الانتخابات الرئاسية الأميركية لكونه "مغامراً ومتنمراً"، بحسب وصف السيدة الأولى ميشيل أوباما له، وذلك عبر اللجوء إلى المتاجرة بالخوف من المهاجرين غير الشرعيين، لاسيما المكسيكيين والمسلمين، ومن خلال ادعائه الذكاء في التهرب من دفع الضرائب لعقدين كاملين، وتشويه سمعة الطبقة الحاكمة، بما في ذلك وسائل الإعلام الرئيسية، وعبر مهاجمة الناس بشكلٍ مباشر، بمن فيهم خصومه والصحفيين والنساء، بدل مناقشة أفكارهم، وعن طريق الحديث عن الأوهام فيما يخص حالة البلاد، قائلاً بأن الإجرام متفشٍ، وأن الاقتصاد في حالة من الغموض، وأن المجتمع الدولي يستفيد من الولايات المتحدة. وكل تلك الأمور أثبتت عدم صحتها بسهولة.

إن نتيجة الانتخابات الأميركية مثيرة للقلق بشكلٍ كبير لأنه تم تحذيرنا مسبقاً من قِبَل استفتاء "بريكسيت" (BREXIT)، والذي هو انتصار مزعجٌ آخر اعترف مهندسون رئيسيون بأنهم حققوه عبر ترك الحقائق الداعمة للبقاء والتركيز على المشاعر، والخوف من الآخر، وما سمته كيليان كونواي بـ"الحقائق البديلة".

إذن، كيف يمكننا أن نضع هذه التطورات غير المريحة في إطار ادعائنا أن العلاقات العامة يجب أن تبقى أخلاقية؟ هذا السؤال قريب جداً من السؤال الذي طرحه محلل قناة "سي إن إن"، فان جونز، في ليلة الانتخابات: "بعد تلك الانتخابات السيئة والمثيرة للانقسام، ماذا يسعنا أن نقول لأطفالنا؟"

وقد أثار هذا السؤال مئات الردود من الآباء، والمعلمين، والصحفيين. وعدم الارتياح هذا موجودٌ أيضاً في مجتمع العلاقات العامة. ووصف دانييل تيش كيف استخدم المرشح الرئاسي دونالد ترامب تكتيكات تواصل محظورة لدى ممارسي العلاقات العامة الأخلاقيين (والتي ما يزال يستخدمها منذ توليه المنصب)، دافعاً بذلك إيفريت مارتن ليسأل: "هل قتلت الانتخابات الرئاسية الأميركية العلاقات العامة الأخلاقية؟"

لابدّ وان نجيب عن هذا السؤال، بصوتٍ عالٍ وبوضوح. وجوابي أنا شخصياً هو التالي: على المدى البعيد، وفي المخطط الأكبر، للأخلاق أهميتها في السياسة، وفي العلاقات العامة، وفي جميع مجالات العمل البشري.

المنظور الاجتماعي

نعم، بإمكانك الفوز عبر الكذب والتلاعب، وهذا يحدث طيلة الوقت، لكنّك ستدفع الثمن غالياً فيما بعد لأن السلوك غير الأخلاقي يضعف الثقة والسمعة، ويولّد الخلافات عاجلاً أم آجلأً.

إن الوسائل التي لجأ إليها ترامب جعلته يفوز في الانتخابات، لكنها مزقت النسيج الاجتماعي للمجتمع الذي انتُخب من أجل قيادته بشكلٍ كبير. ويمكن القول إن الانقسام بين الأمريكتين "الحمراء" و"الزرقاء" كان قائماً قبل الانتخابات، لكنه حوّل هذا الانقسام المقلق بتهوّر إلى أخدودٍ عظيم لم يسبق له مثيل.

لطالما كانت العنصرية، والتحيّز الجنسي، وكراهية الأجانب موجودة، فهي مشكلات أزليّة، لكنها دائماً قيد الفحص--على الأقل في مظهرها الأكثر فداحة، فمعظم الناس يفهمون أنها ليست مبادئ مقبولة لبناء مجتمعٍ على أساسها، ومن لا يفهمون ذلك لا يجرؤون على إظهار رأيهم للملأ.

ومنذ الانتخابات الرئاسية وهناك تزايد واضح في الحوادث الخطيرة والمقلقة من قِبل أشخاصٍ يعتقدون بأنه مسموحٌ لهم الآن بأن ينفّسوا عن أفكارهم ودوافعهم الظلامية. لقد أطلق ترامب المردة الظلاميين من المصباح، وعليه الآن التعامل معهم. فبعد انتخابه، اضطر إلى التنصّل من زعيم اليمين المتطرف البارز ريتشارد سبنسر، الذي تخلل كلمته العنصرية العنيفة توجيه تحياتٍ لترامب.

ربما فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية، لكنه تسبب في أضرار هائلة لنسيج المجتمع. وعليه الآن إدارة الفوضى التي تسبّب بها، واكتشاف كيفية الوفاء بوعوده دون تدمير البيئة، وإيجاد مخرج من الحرب الأهلية المنخفضة الوتيرة التي أحدثها. يجب أن ننتظر بضع سنوات لنرى ماذا سيحصل قبل أن نقرّ بأن سلوكه غير الأخلاقي كان مربحاً، حتى بالنسبة له، ناهيك عن بلاده وبقية العالم.

وحتى الآن، لم تكن ولاية ترامب سوى كارثية، وفقاً لـ"نيويورك تايمز" و"دير شبيغل". وبعد مضي شهرين على توليه الرئاسة، أظهر استطلاع "غالوب" أن متوسط معدّل الموافقة عليه بلغ 42%، وهو أقل بـ21% من معدل ما حصل عليه جميع الرؤساء الأميركيين بدءاً من آيزنهاور. كما أن كافة وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية ذات المصداقية تستنكر الضرر الذي يلحقه ترامب بمصداقية الرئاسة الأميركية.

المنظور الشخصي

دعونا ننتقل بالنقاش لنطرح سؤالاً بسيطاً: ماذا يريد كلٌّ منا أن يكون؟

يفوز البعض عبر اللجوء للكذب والخداع والتلاعب، وهم بالفعل ماهرون في كل هذا. إنهم لا يرون، أو لا يريدون أن يروا، الضرر الذي يتسببون به للنسيج المجتمعي.

وإن دونالد ترامب غافل عن هذا لأنه يؤمن بأمرين فقط: المال والسلطة. ففي عالمه، المال يشفي ويبرر كلّ شيء. إن عدم دفع الضرائب يجعلك ذكياً. طرد الموظفين بحسب مزاجيتك، وعدم الدفع للموّدين، وغش الناس ودفعهم لدفع أموالهم لجامعات مزيّفة، وكل شيء مسموح طالما يحقق لك ربحاً مادياً. من الواضح أن الكثيرين لا يمانعون هذا. لكن انا أمانع، ولا أعتقد أنه عليّ تبرير السبب، لأن الحقيقة هي أن الحضارة - بما فيها الولايات المتحدة الأميركية - بُنِيت على أيدٍ أناسٍ عملوا معاً، لا عن طريق تدمير بعضهم البعض.

هل هذا هو المثل الأعلى الذي نريده للأجيال القادمة؟ هل هذا هو المجتمع الذي نريد العيش فيه؟ هل هذا هو من نرين أن نكون؟ من جهتي، الأجوبة هي لا، ولا، ولا.

النقاط الرئيسية من منظور العلاقات العامة

علينا أن ننتقل بالنقاش إلى مستوىً آخر.

نحن نعلم أن معظم الـ50 مليون شخص الذين صوتوا لصالح دونالد ترامب ليسوا "يائسين"، وهي من أسوأ المصطلحات التي استخدمتها هيلاري كلينتون. علينا أن نتساءل: ما الذي دفعهم للتصويت له؟ يبدو أنّ هناك سببين رئيسيين.

الأول: بكل بساطة، أجزاءٌ كبيرة من الولايات المتحدة لا تعتنق القيم الليبرالية، لاسيما في مسائل مثل الإجهاض، وحقوق المثليين، وأي شكل من أشكال الزواج بخلاف زواج الرجل والمرأة. وكان هؤلاء الناس قد شعروا بالإقصاء أكثر فأكثر مع تشريع المحاكم، لاسيما المحكمة العليا، ممارساتٍ تتعارض مع ثقافتهم ومعتقداتهم الدينية، وذلك تحت تأثير الثقافة الليبرالية للساحلين الشرقي والغربي.

ويمكن للمرء أن يتخيّل ردّ فعلهم مؤخراً عند مناظرة حرب المراحيض، والتي ناقشت ما إذا كان ينبغي السماح للمتحوّلين جنسياً باستخدام مراحيض الجنس الذي يتبنونه بدلاً من جنسهم الأصلي. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، فإن حق الرئيس في تسمية قضاة المحكمة العليا هو العامل المهيمن، إذ يأملون في أن تتمكن هيئة محلفين أكثر تحفظاً من العودة إلى القرارات السابقة فيما يخص قضايا مثل الإجهاض.

وعلى المنوال نفسه، لا يمكن إنكار أنّ هناك تياراً من كره الأجانب يثير المجتمع الأميركي. وفي الآونة الأخيرة، أجج الخوف من الإرهاب هذا الكره تجاه الأجانب. وكان الخوف من المكسيكيين وغيرهم من المهاجرين غير الشرعيين، والمسلمين، واللاجئين السوريين، الذين أثاره دونالد ترامب بخبرة، من أهم العوامل التي دفعت الجمهور للتصويت لمرشح الحزب الجمهوري.

الثاني: مع ازدياد الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون بشكلٍ كبير، فإن التحالف المهيمن في المجتمع الأميركي، والذي يقع في الغالب على الساحلين الشرقي والغربي، قد فقد بالفعل اتصاله مع نصف البلاد. إن فهم عالم الناس الذين عانوا من هبوطٍ اقتصادي قد يكون خاطئاً تماماً (من وجهة نظرنا)، لكنّ معاناتهم وفزعهم حقيقيان.

وربما لم يكونوا ليُخدَعوا بإجاباتٍ سهلة لو أنهم شعروا بأن حكومتهم تفهم محنتهم وتعمل من أجلهم. ولعلهم لم يكونوا ليفقدوا الثقة بوسائل الإعلام الرئيسية لو أن التقارير حول من يكونون، وما التجارب التي خاضوها، وما الذي يؤمنون به حدث قبل الانتخابات الرئاسية، لا بعدها.

يمكن للعلاقات العامة أن تسهم بشكلٍ كبير في تخفيف هذين السببين. ولن نقنع المحافظين أو الليبراليين أبداً بتغيير قيمهم، ولا ينبغي أن يكون هذا هدفاً. ما يمكننا القيام به هو تعزيز الحوار داخل المجتمع، وإعادة بناء الجسور والوعي بوجود حقائق متعددة. علينا العمل على بناء أرضية مشتركة حيث يمكن لذوي وجهات النظر المتعارضة الاجتماع والحوار. لابدّ وأن نفجّر الفقاعات الأيديولوجية التي عزلنا أنفسنا فيها عن غير قصد إثر إدماننا على وسائل التواصل الاجتماعي.

من السهل جداً أن نسخر من الناس الذين لا نلتقي بهم أبداً ونبني شبهاتٍ تجاههم، لذلك دعونا نتحرك نحو الآخرين ونتعرف على عالمهم وندعوهم إلى عالمنا. وبعبارةٍ أخرى، يجب أن نسهم في إعادة بناء طبقة وسطى أكثر اتساعاً، وتتمتع بالمساواة في المشاركة والتعبير عن الرأي، وأكثر وعياً ودرايةً وتسامحاً إزاء تنوّع المعتقدات والقيم التي هي حقيقة ما أصبحت عليه البلاد.

استمع أولاً

كما هو حال جميع أنواع التواصل الحقيقي، يجب أن تكون الخطوة الأولى في إعادة بناء التفاهم المتبادل بين جميع المعنيين، بما في ذلك معارضي ترامب، الاستماع قبل محاولة إقناع أي شخص بأي شيء. إن تفاجؤنا الكبير بنتيجة الانتخابات يدل على مدى فشلنا في في هذه المهمة الأساسية. لا ينبغى الاستماع فقط إلى الحجج، بل أيضاً إلى المشاعر والعواطف، إذ أن هذا سيخرجنا من عقلية "أنا على صواب وهم على خطأ" والتي تديم المأزق.

ويجب على الشركات والحكومات والمؤسسات العامة والخاصة التي فقدت اتصالها بأعداد كبيرة من السكان، أن تعمل على إعادة بناء الثقة وإعادة بناء الجسور مع أصحاب المصالح، ومعرفة من هم، وما الذي يفكرون فيه، وما هي مخاوفهم وآمالهم. وسيتعين عليها معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل التي أدت إلى الاضطرابات.

وإذا أرادت العولمة النجاة، سيتعين على مؤيديها أن يأخذوا بعين الاعتبار آثارها الجانبية غير المرغوب بها على الطبقة العاملة، بالإضافة إلى فوائدها. وإذا أُريد إبرام اتفاقياتٍ للتجارة الدولية في المستقبل، فلا يتعيّن عليها فقط إدراج التجارة نفسها، بل أيضاً الالتزامات الدولية الملزِمة "بمكافحة الإغراق المالي والمناخي... على سبيل المثال، الحد الأدنى لمعدلات ضرائب الشركات، والأهداف المتعلقة بانبعاثات الكربون والتي يمكن التحقق منها والمعاقبة على أساسها"، كما اقترح توماس بيكيتي. وكما كتب ستيفن هوكينغ، نحن بحاجة إلى تصحيح الاختلالات الرئيسية التي أثرت سلباً على كل من الطبقات العاملة في البلدان الصناعية وبيئتنا العالمية.

وبصفتنا محترفي علاقات عامة، فإنّ أمامنا مهمة ضخمة. ودون أن نتجه بالتزامنا نحو تحقيق وتوسعة الأهداف المشروعة لأعمال عملائنا، تقع على عاتقنا مسؤولية مهنية لتقييم البيئة التجارية والسياسية والاجتماعية التي يجب على الأعمال أن تتكيف معها، حتى يتسنى لها اتخاذ قراراتٍ مستنيرة. وكمهنة، فقد قطعنا خطوات كبيرة في فهم الطبيعة الفريدة لمساهمتنا، ولابدّ أن نذكر أنفسنا باستمرار بميثاق شرف الجمعية الدولية للعلاقات العامة "IPRA"، واتفاقيات ستوكهولم للتحالف العالمي، ووصاية ملبورن.

وأخيراً، أقترح أن نتذكّر وجود سوابق. لقد نجح الديماغوجيون والمهرجون بالانتخابات في الماضي، وحتى لو كنا نعتقد أننا نعود بالزمن إلى الوراء، فإن الانتخابات المؤسفة لا تعني نهاية العالم.

وكما قالت أم محافظة لطفلها عندما انتُخب باراك أوباما عام 2008 وأعيد انتخابه في 2012، فإن هذه هي الطريقة التي تعمل بها الديمقراطية. إن البلاد أكبر من أي فرد. نصف البلاد لم يصوت له لكنه الآن الرئيس. وكما يقول الآخرون، يجب أن نعالج أنفسنا من التعلق بالسلطة التنفيذية، وكذلك من وهمنا بأن الرؤساء يقولون الحقيقة حتماً ويفعلون كلّ ما هو صحيح. الديمقراطية هي عبارة عن ضوابط وتوازنات.

إن جميع المؤسسات مهمة، وكذلك دور المواطن المستنير. ويجدر الذكر أن المدن الأميركية أثبتت قدرتها على وضع سياساتٍ مستقلّة عن الحكومة الاتحادية، وقد يصبحون مراكز معارضة لأفكار الرئيس الجديد والكونغرس الجمهوري.

وإذا أردنا مواجهة تأثير دونالد ترامب المتداعي على أفكارنا ومثلنا التقدمية، يجب علينا أن نترك التركيز على الأول ونعيد التركيز على هذا الأخير، دون أن نغفل عن الحاجة إلى بناء الاحترام بين قيمنا وقيم الآخرين. أما بالنسبة للعلاقات العامة، فلا تزال الممارسة الأخلاقية هي طريق المستقبل.

 


تابعنا :
آخر الأخبار :