مدخل إلى العلاقات العامة



تطورت العلاقات العامة كمفهوم إداري و فلسفة للعلاقات الاجتماعية، ونمت نمواً سريعاً خلال السنوات الماضية، وقد حدث هذا التطور نتيجة للتعقيد المتزايد في المجتمعات الحديثة، والقوة المتزايدة للرأي العام و كذلك زيادة فهم دوافع و مطالب الأفراد و الجماعات، إذ أصبح كسب تأييد و تعاون و ثقة الآخرين عن طريق الإقناع جزءاً لا يتجزأ من العمل اليومي لإدارة الحكومات والمنظمات في أي نوع من أنواع النشاط في المؤسسات العامة والخاصة  والمنظمات الدولية والحكومية.

وإذا أمعنا النظر في طبيعة عمل هذه المؤسسات والمنظمات نجد أنها على الغالب تقدم خدمات لإرضاء (جمهورها) و بشكل عام لجميع الأفراد الذين يتعاملون معها، وإذا كان هناك نجاح في هذه العلاقات فإن ذلك عائد للدور الذي تماره العلاقات العامة في هذه المؤسسات. إلا أنه من المفارقة أن نجد أن الدور الذي تلعبه العلاقات العامة غالباً ما يتم الانتقاص من أهميته فلا يعطى التقدير الذي يستحقه. بل إن عبارة “علاقات عامة” بحد ذاتها ما تزال إلى اليوم مرتبطة في أذهان العديد من الناس بمعان سلبية؛ حيث أن الناس كثيراً ما يميلون إلى الخلط بين “العلاقات العامة” والنشاطات التي تقوم بها وكالات الإعلام والدعاية ومتعهدي تنظيم الحفلات والمناسبات. كما أن بعض الناس يعتقدون أن عبارة “علاقات عامة” ما هي إلا قول شائع مشتق من عبارة أخرى هي «العلاقات الإعلامية»، أي أنه في جميع الحالات لدى الجميع اعتقاد أن “العلاقات العامة” ليست سوى ” خدمة تنفيذية “، رغم أنها في حقيقة الأمر اختصاص أعمق وأهم من ذلك بكثير، بل يجب أن تعد اختصاصاً هاماً مستقلاً بذاته ومرجعاً استشارياً استراتيجياً له كيانه الخاص.

وحقيقة أزمة الهوية التي تعاني منها العلاقات العامة تنطلق أساساً من مشكلة تتعلق بالاستخدام اللغوي لهذه العبارة، فالمشكلة هي أن معظم الناس لا يفهمون ما تعنيه هذه العبارة إذا ما استخدمناها في الحديث معهم، رغم أن الجميع يفهمنا بشكل أكبر إن نحن تحدثنا إليهم عن ” الإدارة ” مثلاً وما يرتبط بها من قضايا، وهذا دليل على ما يمكن أن تسببه اللغة من ملابسات، وعلى ما يمكن أن يسببه الاستخدام اللغوي لعبارة ما من انطباعات أولية لدى الآخرين تختلف وتتفاوت في أبعادها.

ولهذا يمكن القول أن مشكلة العلاقات العامة تكمن بشكل أساسي في عدم قدرتها على تقديم ذاتها إلى الآخرين بالصورة المناسبة، وهي المفارقة التي أشرنا إليها والتي أصبح من السهل رؤيتها الآن،  وهي في الواقع تثير قلق العديد من العاملين في مجال العلاقات العامة، لأنه في حال لم تتمكن العلاقات العامة من تسويق صورة إيجابية عن نفسها فلن تستطيع أن تكسب ثقة الناس بها أو بقدرتها على أن تكون ذات فائدة لهم، فكيف يمكن للناس أن يثقوا بها وبإمكانياتها إن كانت هي نفسها عاجزة عن تقديم نفسها إلى الناس عبر قالب إيجابي.

وانعدام الثقة هذا الذي نلمسه لدى الناس دفع بالعديد من المؤسسات المتخصصة في مجال العلاقات العامة في العالم إلى أن تطلق على نفسها لقب “مؤسسات استشارية” فاستغنت تماماً عن إلحاق عبارة “علاقات عامة” باسم المؤسسة أو عمدت إلى الاكتفاء بتذييل اسم المؤسسة بهذه العبارة، مما يشير إلى مدى إحساس هذه المؤسسات بقلة شأن هذه العبارة. فيما عمدت بعض المؤسسات الأخرى إلى اعتماد مصطلح “مؤسسات استشارية للإدارة” بدلاً من اعتماد مصطلح “مؤسسات استشارية للعلاقات العامة”. كما أن عدداً كبيراً من الأفراد العاملين في هذا المجال يفضلون وصف طبيعة عملهم عبر استخدام العبارات التالية:

التواصل مع الآخرين” أو “فن التواصل مع الناس” أو “مهارات التواصل” بدلاً من الإشارة إلى أنفسهم على أنهم يعملون في مجال العلاقات العامة، وذلك لاقتناعهم بأن عبارة “علاقات عامة” لا يمكن أن تصف أو تحدد بدقة طبيعة الخدمات التي يقدمونها ولا مدى اتساع هذه الخدمات أو مستواها.

ويسيء معظم الناس كما رأينا فهم معنى ومدلول “العلاقات العامة” بل ويذهبون إلى أبعد من ذلك بكثير فيحكمون على طبيعة عمل المؤسسات التي تقوم بهذه المهنة انطلاقاً من سوء الفهم هذا، فهم لا يأخذون عملها على محمل الجد الذي تستحقه، وينظرون إلى الأفراد العاملين في هذا المجال على أنه لا عمل لهم سوى كتابة بيانات صحفية أو التحدث إلى الصحفيين. إلا أن عمل العلاقات العامة معني بتقديم خدمات متكاملة في مجال الاتصال والتواصل مع جمهور المؤسسات التي يمثلها رجال العلاقات العامة بهدف حلق حالة من التفاهم والتناغم بين جميع الأطراف عبر إقناع الجمهور والتأثير في آرائه من خلال تقديم المعلومات والتواصل المستمر دون انقطاع، وتقديم النصائح لإدارة هذه المؤسسات والمساهمة في تكوين “الصورة الذهنية ” الجيدة عن المؤسسات التي تمثله.ا

لقد مرّت العلاقات العامة بما يقارب قرن من التغير والارتقاء وهي ما تزال في طور التغير والتطور المستمرين، وهذا يعني أنه من غير الممكن أن تكون هنالك إجابات جاهزة وقاطعة لكل قضية من قضايا العلاقات العامة، ولذلك يجب على الطالب أو العامل في هذا المجال أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار، كما يجب على المدرّس تشجيع الطلاب على تبني منظور نقدي تجاه مبادئ العلاقات العامة وتطبيقاتها بحيث يستوعب الطالب أن العلاقات العامة ليست مجرد اختصاص إداري ونظري هام، بل إنها أيضا مجال معاصر يتمتع بحيوية وديناميكية خاصة، ولذلك فان الدارسين أو العاملين في هذا المجال يجب أن يحاولوا اكتساب ميزات الفرد العصري والديناميكي ـ هذا إن لم تكن لديهم هذه المهارات مسبقاً ـ  كما  يتوجب عليهم اكتساب معرفة نظرية وعملية واسعة في مجال العلاقات العامة.

لذلك آمل أن يلبي هذا المقرر بشكل خاص احتياجات الطلاب الدارسين لهذا المجال والعاملين فيه، والذين يرغبون في الحصول على قاعدة معرفية

يستندون إليها في دراستهم أو عملهم، وفي اكتساب مهارات ومقدرات شاملة في مجال العلاقات العامة.

للإستماع الى الكتاب

اضغط هنا 

 

 

 


تابعنا :
آخر الأخبار :