الثقافي و السياسي في تغطية الإعلام الأمريكي للمنطقة العربية و تأثيرها في السياسة الخارجية



د.مروان قبلان

1 من 2

 

رغم كثرة الأبحاث التي تتناول التأثير المتبادل بين الإعلام والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكيةِ في فترةِ ما بَعْدَ الحرب الباردةَ ما زال هذا الموضوع يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية، فضلاَ عن ذلك فإن قضية البُعد الثقافي في التغطية الإعلامية الأمريكيةِ للشؤون العربية والإسلامية ما زالت غير مطروقة على نطاق واسع

إن التركيز على البُعدَ الثقافيَ في التغطية الإعلامية الأمريكية للشرق الأوسطِ يشير بوضوح إلى أنها تستند إلى النظرتين الأساسيتين التاليتينِ:

.الوصفية: يتم من خلالها فَهْم العالم و الحكم عليه بالمدى الذي يَلتزمَ به أَو يُقلّدَ الممارساتَ والقِيَم الثقافية و الاجتماعيةَ الأمريكية -

. الانتقائية -التكوينية: حيث يجري انتقاء صور معينة من ثقافات أجنبية ومن خلالها يتم تكوين تصور عام عن تلك الثقافةِ -

وتعتبر هذه النظريةِ امتداد للمدرسةِ الحداثية التي تقسّمْ العالم إلى مجتمعاتِ تقليديةِ وحديثةِ. ومن خلال وجهةِ النظر هذه، يعتبر المجتمع العربي مجتمع تقليدي مَنْ الضَّرُوري عصرنته كما يكشف هذا التوجه عن عنصرية ثقافية تقوم على رفض فكرة التعدّدية الثقافية في العالمِ، وهو ميل أَصْبَحَ أكثر وضوحا منذ نهايةِ الحرب الباردةِ. من جهة أخرى فان ميل المجتمعات العربية إلى التمسك بقيمها الثقافيةِ الخاصة والخوف من الهيمنةِ الثقافيةِ الغربيةِ أدّى لظهور إحساس بوجود صراع حضاري. ورغم أن بَعْض المفكرين الأمريكيينِ يعترفون بأنّ الثقافةَ الغربيةَ فريدةُ لكنها لَيست كونية، إلا أنهم يعتبرون أي ثقافة غريبة بمثابة تهديد للثقافةِ الغربيةِ ممهدين بذلك الطريق لظهورِ نظرية صراعِ الحضارات. لقد تحولت نظرية صراع الحضارات إلى مادة نِقاشِ حاد منذ نهايةِ الحرب الباردة وأَصْبَحتْ أكثر وضوحاً في التغطية الإعلامية الأمريكيةِ لثلاثة أسبابِ:

- حررت نهايةُ الحرب الباردةِ وسائل الإعلام الأمريكيةَ مِنْ عبءِ معاداةِ الشيوعيةِ، ونتيجة لذلك وجدت وسائل الإعلام بيئة أكثر حرية للتعبير عن مشاعرَ، أفكار، وقِيَم كانت مكبوتة خلال فترة الحرب الباردةِ

. - الفراغ الأيديولوجي الذي نَتجَ عنْ نهايةِ الحرب الباردةِ حيث برزت الفرصة سانحة لاستبدال العدو القديم (الشيوعيةِ) بالعدو الجديدِ (الإسلام)

.- تحول بَعْض الحركاتِ الإسلاميةِ الشرق أوسطيةِ، التي كان بعضهاْ مدعوما من قبل الولايات المتّحدةِ أثناء الحرب الباردة بغرض مواجهةَ الشيوعيةَ, ضدّ راعيها السابقِ، و بِذلك، أصبحتْ الولايات المتّحدةَ الهدفِ الجديدِ لهذه الحركات.

هذه العواملِ تشكل الخلفيةَ الأساسية لفكرةِ صراع الحضارات التي روّجتْ لها الصحافةِ الأمريكيةِ في فترة ما بَعْد الحرب الباردةِ كما تشكل الحاضنة لتغطيتها الإخبارية التي يطغى عليها البعد الثقافي في تناول أوضاع المنطقة العربية. نهاية الحرب الباردةِ وعلاقة الإعلام بالسياسة الخارجية الأمريكية ينبع التأكيد على البُعدِ الثقافيِ أساساً مِن اعتقادنا بوجود قصور في الدراسات الكلاسيكيةِ وقدرتِها على تَوضيح التغطية الإعلاميةِ وعلاقتِها بالسياسة الأمريكيةِ اتجاه الشرق الأوسطِ. خلال فترة الحرب الباردةِ، تركز النِقاش فيما يتعلق بدورِ وسائل الإعلام في صنع السياسة الخارجية الأمريكيةِ حول فكرة مركزية ترى أن وسائل الإعلام تُملك قدرة كبيرة على التأثيرِ في صُنّاعِ القرار أَو تلعب عنصر مكملا في صناعة السياسة الخارجيةَ. أثناء الحرب الباردةِ برزت وجهتي نظر متعاكستينِ:

 1. الليبرالية: التي ادعت أن الإعلام يلعب دور ضمير الأمة والرقيب على المصلحة العامّةَ

 2. أطروحة الاحتكار الإعلامي التي ترى أن فكرة الإعلام المستقل هي أسطورة اخترعتها الماكينة الرأسمالية وأصحاب المصالح الاحتكارية الذين يسيطرون على أجهزة الدولة ويعملون على تسويق سياستهم الخارجيةِ والعقيدة والقيم الرأسمالية وجعلها نموذجا يحتذى.

Interventionist بعد انتهاء الحرب الباردة و تبني سياسة أكثر تدخلية

 من قبل الولايات المتّحدةِ، انتقل النِقاشَ للتَركيز على فكرة امتلاك وسائل الإعلام لقدرة تأثير أكبر في تحديد الأجندة في مجال السياسة الخارجيةِ، أَو أنها تظل أداة بيد صُنّاعَ القرار لترويج هذه السياسة. وهكذا انحصر النِقاش بهاتين الفكرتين المتُعَارَضَتين لكنه اكتسب أهمية أكبر لسببين رئيسيينِ:

 1. ظهور تقنياتِ الاتصال الحديثةِ التي جَعلتْ التغطيةَ الإعلامية للشؤون الدولية شاملةَ وفورية واضعة صانع القرار وجهاً لوجه أمام تحدياتِ فعليةِ تتطلب ردودَ سريعة. وقد لوحظت أهمية هذا العامل بشكل واسع في الأوساط السياسية، الإعلامية والأكاديمية على السواء. فقد اشتكى وزير الخارجية الأمريكية الأسبق جورج شولتز من أنّ البث التلفزيونيِ الحيِّ يَجعل كُلّ شخصَ جزء من الحدثِ، لأن كُلّ شخصَ يَرى الشيءِ نفسه في الوقت نفسه”. إن ظهور تقنياتِ الاتصال الحديثةِ وتأثيرِها الملحوظ في صُنْعِ السياسة الخارجية أصبح يُعْرَف بين الأكاديميين النقّادِ باسم ظاهرة السي إن إنَ.

 2. انهيار النظام العالمي القديمِ وظهورِ نظام دولي جديد. هذا التغيير ِفي النظامِ الدوليِ أوجد بيئة جديدة وضعت صُنّاع القرار ووسائل الإعلام أمام تحديات جديدة. فقد سمحت نهاية الحرب الباردة لصانعِ القرار الأمريكي لتصرف على الساحة الدولية بدون قيود. في الوقت نفسه سمح انتهاء نظامِ الحرب الباردةَ لوسائل الإعلام بهامش حرية غير مسبوق في تغطية الأحداث الداخلية والخارجية. فعلى الصعيد الداخلي اختفى الإجماع على معاداة الشيوعية، الذي استخدم أداة للسَيْطَرَة على تدفق المعلوماتَ وتَرويض وسائل الإعلام. عالمياً، سمح سقوط الستار الحديدي لوسائل الإعلام بالوصول إلى أماكنِ كانت تعتبر محرمة من قبل مثل البوسنة، كوسوفو، الجمهوريات السوفيتية السابقة وأجزاء أخرى مِنْ العالمِ. ضمن هذه البيئةِ الجديدة اكتسب النقاش حول العلاقة بين السياسة الخارجية والإعلامِ اهتماما متزايداً بين العلماءِ والنقّادِ مِنْ مختلف فروعِ العلومِ الاجتماعية. واستمد الجدل حول دور وسائل الإعلام في صنع السياسة الخارجية الأمريكيةِ اهتماما أكبر نتيجة مجموعة الشروط التي أفرزها انتهاء الحرب الباردةِ. كما عكس النقاش في مرحلة معينة القلق المتزايد في أوساط صُنّاعِ القرار حول الإصرارِ المتزايد لوسائل الإعلام على لِعْب دور مهيمن في صنع السياسة الخارجية. إن قوَّة وسائل الإعلام وقدرتِها على إعاقة تحفيز وتُشكيّلُ السياسة الخارجيةَ أصبحْ أمراً أكثر تعقيداً وصعوبةَ من أي وقت مضى.

يتبع في 2 من 2 

:تحذير واجب

 PR & لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا.أو أختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى

المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام :

info@ipra-ar.org

 

 info@sia-sy.net

 

 

 

 

 

 


تابعنا :
آخر الأخبار :