لماذا لا يزال مستقبل الذكاء الاصطناعي في مجال الاتصالات مرتبطاً بالبشر: وكيف يمكنك إتقانه؟

إذا طبقت الذكاء الاصطناعي دون التفكير في الجانب الإنساني، فسينتج عن ذلك الكثير من المخرجات الرديئة، مما يدمر الإنتاجية والثقة على حدٍ سواء. بقلم: لورا هيندلي Laura Hindley

لنكن صريحين، بصفتنا متخصصين في الاتصالات والتسويق، أمضينا جميعاً وقتاً في القلق من استبدالنا بالروبوتات. تساءلنا: "هل سيحل الذكاء الاصطناعي محلّي؟"، "هل ستُختزل هوية علامتي التجارية التي صممتها بعناية، إلى بضع جملٍ جوفاء مُولّدة خوارزمياً؟"، أو ذلك الذعر التقليدي: عندما يُنفّذ الذكاء الاصطناعي ما طلبناه بالضبط، ولكن ليس ما قصدناه بالضبط (يا له من أمرٍ مُحبط!).

لكن ربما نطرح على أنفسنا الأسئلة الخاطئة. لعلّ الأسئلة الحقيقية هي: "كيف نعمل جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي؟"، "كيف نشجع فرقنا على تبنّيه بمسؤولية؟"، والأهم من ذلك، "كيف نحافظ على اتزاننا النفسي عندما يُصرّ الذكاء الاصطناعي على سلوك الطريق الأطول للوصول إلى الإجابة الواضحة؟"

ما الذي يجعلنا قلقين بشأن الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي حاضرٌ في كل مكان، وسيظلُّ كذلك. في مؤتمر CopyConالذي عُقد في مانشستر، المملكة المتحدة، في أكتوبر الماضي، كان من أهم ما استخلصته أنّ مستقبل الاتصالات لا يدور حول صراع البشر مع الآلات، بل حول كيفية تعاونهم معها. وقد عبّر أحد المتحدثين عن ذلك بوضوح: "نحن نتوق إلى التواصل الإنساني. فالذكاء الاصطناعي يُفرّغ الأشياء من مضمونها عندما يُستخدم دون تفكير، واللغة التي تُركّز على الإنسان هي مفتاح الحل". باختصار، لن يكون العامل الحاسم هو السرعة أو الكفاءة، بل التعاطف، وسرد القصص، والتأثير العاطفي. هذا بالفعل ما يهمّ جمهورنا.

إذاً، ما سبب هذا التردد؟ على الرغم من الضجة المثارة، لا تزال العديد من فرق التسويق والاتصالات تُجرّب الذكاء الاصطناعي بحذر، بل وبمقاومةٍ من البعض. ومن خلال حواراتي وتجاربي الشخصية، لاحظتُ بعض النقاط المتكررة.

أولاً، هناك القلق بشأن الأمن الوظيفي والاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قد يحل محلنا في نهاية المطاف. ثانياً، هناك مسألة الأصالة. يفخر المتخصصون في مجال التواصل بفهمهم للنبرة والفروق الدقيقة والسياق؛ وهي أمورٌ قد يجد الذكاء الاصطناعي صعوبةً في التعامل معها في غياب جميع المعلومات اللازمة.

أخيراً، هناك صوت العلامة التجارية. بعد شهور (أو حتى سنوات) من تطوير هوية العلامة التجارية، تبدو فكرة تسليم زمام الأمور إلى آلة، أشبه بترك قطتك تُجرب إعداد وصفة عشاء الأحد المميزة التي تفخر بها، على أمل أن تسير الأمور على ما يرام.

لكنّ الأمر هنا هو أنّ معظم الخوف ينبع من سوء فهم ما يجيده الذكاء الاصطناعي فعلياً وما لا يجيده.

وكما أشار خبير العلاقات العامة ستيفن وادينغتون Stephen Waddington مؤخراً في نشرته الإخبارية، فإن الذكاء الاصطناعي يتفوّق في المهام الاختزالية مثل التلخيص والتصنيف واكتشاف الأنماط. لكنه يواجه صعوبةً في التعامل مع الفروق الدقيقة والإبداع والسياق الثقافي. وهو يسمي هذا "الحافة غير المنتظمة" للذكاء الاصطناعي: الحد الفاصل بين ما يمكنه وما لا يمكنه فعله. ولا تكتشف هذا الحد إلا من خلال القيام بالعمل الفعلي. وأفهم من عبارة "القيام بالعمل الفعلي" أنها تعني التجربة، والفشل، ثم الضحك على المخرجات العبثية التي يولدها الذكاء الاصطناعي أحياناً.

توقّف عن الذعر وابدأ بالتجربة

في الواقع، يكون الذكاء الاصطناعي أكثر فعالية عند استخدامه كمساعد، لا كمنافس. شخصياً، أستخدم الذكاء الاصطناعي لتبادل الأفكار حول المحتوى، ومتابعة الأخبار الرائجة، وتقليل الوقت المُستغرق في مهام العلاقات العامة الإدارية، وتحسين اللغة عند الحاجة. صحيح أنه ليس مثالياً، لكنه يُوفّر لي تركيزاً ذهنياً أكبر للأمور التي تهمني حقاً في عملي: الاستراتيجية، والإبداع، واتخاذ القرارات الفعّالة.

المهارة الأساسية هي "صياغة التوجيهات". كلما كانت مدخلاتك أفضل، كانت النتائج أفضل. فكر في الأمر كإعطاء الاتجاهات لسائق تاكسي في مانشستر: يمكنك أن تصرخ بشكل مبهم عن "أولد ترافورد" وينتهي بك الأمر بالدوران حول الملعب متسائلاً لماذا لا تتحرك التاكسي (يشبه الأمر مشاهدة مانشستر يونايتد يلعب في بعض الأيام)، أو يمكنك أن تقول: "أنزلني عند مدرج ستريتفورد إند وتجنب الازدحام المروري في يوم المباراة". يعمل الذكاء الاصطناعي بنفس الطريقة: دقة في المدخلات، وجودة في المخرجات.

الذكاء الاصطناعي ليس طريقاً مختصراً، بل هو تحوّلٌ في طريقة عملنا

بالطبع، لا يقتصر تبني الذكاء الاصطناعي على مجرد تزويد الناس بأدواتٍ جديدة (فلا أحد لديه وقتٌ لذلك!). وكما يشير وادينجتون Waddington، "لا توجد استراتيجيةٌ للذكاء الاصطناعي دون استراتيجيةٍ للأفراد".

تُعدّ الحوكمة، والأطر الأخلاقية، والتدريب، والتقييم عناصر حيوية. فإذا تمّ تطبيق الذكاء الاصطناعي دون مراعاة الجانب الإنساني، فسينتج عنه كمٌ هائل من المحتوى الرديء، وهو ما تشير إليه مجلة هارفارد بزنس ريفيو بأنه يُدمر الإنتاجية والثقة على حدٍ سواء.

ويكشف ظهور أدواتٍ مثل "أوليفيا براون"، التي يُقال إنها أغرقت غرف الأخبار البريطانية بمحتوى مُفبرك واقتباسات مُزيفة، مدى سرعة تآكل المصداقية بسبب هذا المحتوى الرديء. ويرى دان سلي Dan Sleeأنه على الرغم من تشكّل القواعد الوطنية للذكاء الاصطناعي، إلا أنّ معظم المؤسسات لا تزال تفتقر إلى التوجيه. ومع استخدام نصف متخصصي الاتصالات للذكاء الاصطناعي سراً، يحتاج القادة إلى التحرك بسرعة فيما يتعلق بالسياسات، للحفاظ على الشفافية والنزاهة والطابع الإنساني.

غالباً لا يكون الخوف هو سبب المقاومة، بل يتعلق الأمر بالأهمية والثقة. تزداد احتمالية تبنّي الفرق للذكاء الاصطناعي عندما ترى فوائده الملموسة في عملها اليومي. ولذلك، تُعدّ دراسات الحالة والتجارب العملية والأمثلة الواقعية أكثر فعاليةً من الافتراضات. يحتاج الأفراد إلى رؤية كيفية تحسين الذكاء الاصطناعي لسير العمل، وتوفير الوقت، وتعزيز الإبداع دون التقليل من قيمة خبراتهم.

إذاً، كيف نتغلّب على التردد في استخدام الذكاء الاصطناعي في التسويق والاتصالات؟ بناءً على ما تعلمته من الفرق التي نجحت في دمج الذكاء الاصطناعي، إليكم خمس خطواتٍ عملية:

1-      ابدأ بخطواتٍ صغيرة. ركّز على مجالات عملك التي يُحقق فيها الذكاء الاصطناعي فوائد واضحة، مثل الإدارة والبحث والتلخيص، ثم وسّع نطاق استخدامه تدريجياً مع ازدياد ثقتك بالأدوات.

2-      تعامل مع الذكاء الاصطناعي كمساعد. استخدمه لتحسين سير العمل والإبداع، لا ليحل محلّ التفكير البشري والحكمة.

3-      استثمر في العنصر البشري أولاً. درّب فرقك على أدوات الذكاء الاصطناعي، والاعتبارات الأخلاقية، وأساليب التوجيه الفعّالة.

4-      كن واقعياً وشفافاً. اعترف بحدود أدوات الذكاء الاصطناعي، واحرص دائماً على الإشراف البشري.

5-      شارك قصص النجاح. الدروس المستفادة من عملك تُساعد الآخرين على رؤية القيمة عملياً، مما يُقلل من المقاومة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي في مجال الاتصالات يُصاغ بواسطة العنصر البشري.

في نهاية المطاف، يتمتع المتخصصون في مجال الاتصالات بمكانةٍ فريدة لقيادة التبني المسؤول للذكاء الاصطناعي. فنحن نفهم فنّ سرد القصص، ونبرة الصوت، والفروق الدقيقة في المشاعر. بإمكاننا وضع معايير الاستخدام الأخلاقي، وضمان دعم الذكاء الاصطناعي لعملنا، لا أن يحل محله.

مهنتنا. بدلاً من الخوف من أن تحل الآلات محلنا، فلنسأل أنفسنا: "كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على أن نكون أكثر إبداعاً، وأن نقلل من الأعمال الروتينية، وأن نتواصل بفعاليةٍ مع جمهورنا؟"

المؤلّفةلورا هيندلي

تتمتع لورا هيندلي بخبرةٍ تزيد عن عشر سنوات في مجال العلاقات العامة الداخلية، تشمل قطاعات سلاسل التوريد والتكنولوجيا والموارد الطبيعية. درست علم النفس في الجامعة، ولديها شغفٌ كبير بتوظيف تخصصها الأكاديمي في العمل اليومي للعلاقات العامة والمحتوى. تشغل لورا حالياً منصب مديرةٍ أولى للعلاقات العامة والاتصالات في شركة لوفتوير Loftware، الرائدة عالمياً في مجال تحديد المنتجات.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-655-why-the-future-of-ai-in-comms-is-still-human-and-how-you-can-master-it/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org