الطلاقة الوجدانية: لغة الذكاء الثقافي

يجب أن تُمكّن الاتصالات العالمية العديد من الأصوات، كلٌّ منها متجذرٌ في سياقه المحلي وجميعهامتوافقةٌ مع هدفٍ مشترك.

بقلم لافانيا وادغاونكار Lavanya Wadgaonkar

ما المعنى الحقيقي لفهم الجمهور؟ هل يكفي ترجمة الرسالة، أو تغيير الصورة، أو تعديل الشعار ليتناسب مع التفضيلات الإقليمية؟

مع أنّ التوطين يعد بالكفاءة والتكييف السطحي، إلا أنّ واقع التواصل الفعّال في المشهد العالمي اليوم يتطلب ما هو أبعد من ذلك بكثير. فالجمهور ليس مجرّد متلقٍ سلبيٍّ للمعلومات، بل هو مُفسّرٌ فاعل، متوائمٌ عاطفياً ومدركٌ ثقافياً، يُقيّم باستمرار ليس فقط ما يُقال، بل كيف ولماذا يُقال.

إنه يتوقّع ما هو أكثر من مجرد التكيف، إنهيتوقّعالانغماس الكامل.

الانغماس كتطبيقٍ عملي للتقمص الوجداني

لا يُعدّ الانغماس مجرد أسلوبٍ أو تقنيةٍ يمكن توظيفها. إنه التزامٌ حقيقيٌ بالتّقمص الوجداني، وفعلٌ واعٍ بالدخول في التجربة المعيشية للآخرين.

على المُتخصصين في التواصل أن يتخلوا عن راحة التجريد والعموميات، وأن ينخرطوا بدلاً من ذلك في النّسج العاطفية والتاريخية والثقافية التي تشكّل تصوّرات الجمهور. فبدون الانغماس، تصبح الرسائل مجرد أصداءٍ جوفاء لنوايا حسنة، لكن معه تكتسب الصدى والعمق والمصداقية.

ولا يمكن أن يكون إهمال هذا المبدأ ونتائجه مجرد افتراضٍ نظري. فلنتأمل حالة علامةٍ تجارية تعلن علناً انحيازها لحماية البيئة، ثم تقيم عرضاً للألعاب النارية في محيطٍ طبيعيٍ حساس. عندها يكون رد الفعل الجماهيري فورياً وعاطفياً عميقاً، ليس بسبب غموض الرسالة، بل لأن الفعل ناقض القيم التي تدّعي العلامةُ التزامها بها.

كذلك لم تكن أيّة قدرةٍ على نشر رسائل توضيحية بعد الحدث قادرةً على إصلاح الضرر. فالجمهور لم يكن بحاجةٍ إلى تفسير. لقد رأى التناقض، وشعر بعدم الانسجام، واستجاب بعاطفته. لم يكن هذا فشلاً في التنفيذ التسويقي، بل كان فشلاً في الذكاء الثقافي.

تطوّر دور المتواصل

يُشير هذا التحوّل في استجابة الجمهور إلى تحوّلٍ أعمق جارٍ، ليس في التكتيكات، بل في جوهر التواصل نفسه. فهو يشمل الآن تصميم المعنى. فسرد القصص يُوفّر الأساس، لكنه لا يكفي وحده. أما تطبيقها يُضفي قوةً على السرد، ويُوسّع نطاقه، ويُشجّع على المشاركة.

ليست هذه الظواهر مجرّد اتجاهاتٍ عابرة، بل أدواتٍ استراتيجية تبني الثقة. فعندما يُشارك القائد تأملاته الشخصية، أو عندما يكشف الفريق عن مسار عمله، أو عندما تعكس الرسالة تجربةً واقعيةً لا مجرد صياغةٍ رسمية، لا يعود الجمهور بحاجةٍ إلى إقناع، بل يشعر بأنه جزءٌ لا يتجزأ من العملية.

يجب أن يتطوّر التواصل العالمي أيضاً، فلا يُمكنه الاعتماد على صوتٍ واحدٍ لنقل تعقيدات الواقع المتنوع، بل يجب أن يُتيح المجال لأصواتٍ متعددة، كلٌ منها مُتجذّر في سياقه المحلي، ومُنسجمٌ مع الهدف المشترك.

لم يعد الرئيس التنفيذي هو المُرسِل الوحيد، فكل قائدٍ إقليمي، وكل رئيسِ فريق، وكل مُساهمٍ في المؤسسة يمتلك قوةً تواصلية. وعندما تتحدث هذه الأصوات بوضوحٍ وصدق، تبني مصداقيتها. وحين تستجيب بمرونةٍ وحسٍّ عالٍ، ترسّخ الثقة. ذلك هو التضخيم الاستراتيجيّ.

قوة التأثير اليومي في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي

لقد أدى انتشار المحتوى القصير إلى إعادة صياغة قواعد التفاعل. نصيحة طبخٍ من جدة، رقصة مراهق، لحظةٌ عفوية من عامل - كل هذه اللحظات من الحياة اليومية تشكّل الآن إشارات ثقافية قوية. إنها سريعة، عفوية، و عميق التأثير. لا تستأذن أحداً، بل تفرض حضورها بقوة.

كما لم يعد التأثير مرتبطاً بالمنصب أو التسلسل الهرمي، بل يكمن في لحظاتٍ زمنية تمر سريعاً. وعلى القائمين بالاتصال أن يدركوا هذا التحول، ويصمموا بيئاتٍ اتصالية تتيح مساحةً للعفوية، دون التضحية بالاتساق والتماسك.

كما يجب على وسائل الإعلام المملوكة أن ترتقي لمواجهة هذا التحدي. فالخوارزميات تحدد بشكلٍ متزايد ما يُشاهد ويُقرأ ويُصدّق. يجب صياغة المحتوى لا ليفهمه الإنسان فقط، بل ليُفسره النظام الآلي أيضاً. يجب أن يكون منظماً، غنياً بالدلالات، وذكياً عاطفياً.

وهذا التحول لا يمثّل مجرد نقلةٍ تقنية، بل هو ضرورةٌ استراتيجية. فعلى القائمين بالاتصال اليوم أن يتحولوا إلى مهندسين معماريين، يبنون منصاتٍ تعكس القيم، وتستدعي المشاركة، وتتكيف مع معايير التدقيق البشري والخوارزمي على حدٍ سواء.

الدقة على حساب الكم

مع هذا النهج المتكامل، يجب على القائمين على التواصل التركيز على الرسائل الموجهة بدلاً من الرسائل الجماهيرية. ليس الصخب، بل الوضوح. تعمل استراتيجية الصوت المحيطي على تناغم الأصوات، وتحسين توقيت الإرسال، وتمكين القادة. فهي تُوحّد جميع القنوات لتعزيز التأثير، وتحوّل التواصل إلى تواصلٍ حقيقي.

وفوق ذلك كلّه، تبقى الروح هي الجوهر. فكلمة تواضعٍ من قائد، مع لحظة تلاحمٍ في مواجهة الصعاب، أو لفتة اهتمام؛ ليست مجرد مهاراتٍ ناعمة ثانوية، بل هي أساس الثقة. إنها تُظهر أن التواصل ليس مجرد نقلٍ للمعلومات، بل هو تنميةٌ للمشاعر، وتأكيدٌ للانتماء.

إعادة الصياغة الإبداعية: حيث يبقى المعنى

هنا تبرز أهمية إعادة الصياغة الإبداعية. لم أتعلم هذا في قاعة اجتماعات، بل على مكتبي، وأنا أترجم قصصاً قصيرة عن تمكين المرأة. كانت الكلمات بسيطة، والمواضيع عالمية، لكنّ الدلالات كانت عميقة ثقافياً.

وصفت إحدى القصص صمت المرأة بأنه قوة. في اللغة الأصلية، حمل هذا الصمت قروناً من الصمود والمقاومة والتحدي الضمني. عندما حاولت ترجمته، أصبح الصمت سلبياً، وفقد قوته. أدركت حينها أنّ الترجمة وحدها لا تكفي، بل كنت بحاجةٍ إلى إعادة الصياغة الإبداعية.

تحافظ إعادة الصياغة الإبداعية على سلامة المعنى، وتنقل السياق عبر الحدود دون أن تفقد جوهرها. إنها الفرق بين إيصال رسالة واستحضار ردّ فعل. صادفت هذا مجدداً خلال بحثي عن الأعمال الروائية المُقتبسة إلى أفلام. قد تصف روايةٌ ما تردد شخصيةٍ ما بسطرٍ واحد، بينما على الشاشة، يجب تجسيد هذا التردد من خلال الإيماءات والإضاءة والإيقاع.

لا يقتصر التباين على اللغة فحسب، بل ينبثق من التجربة، التي تتشكّل بدورها بفعل الثقافة. فالتوقف، على سبيل المثال، قد يُعبّر عن الاحترام في سياقٍ ثقافيٍ معين، بينما قد يُوحي بالتردد في سياقٍ آخر. أما بالنسبة لصانع الأفلام، يتطلب التقاط هذه اللحظة أكثر من مجرد محاكاة؛ فهو يستلزم حساسيةً للصدى الثقافي، لأن المعنى ليس عالمياً، بل سياقي.

من الرسالة إلى المعنى

الذكاء الثقافي ليس مجرد مهارةٍ تُستخدم، بل هو عدسةٌ تُصنع من خلالها المعاني. إنه يدعونا إلى الإصغاء العميق، والانغماس الكامل، والاستجابة بتعاطفٍ ودقة. فالجمهور ليس مجرد كياناتٍ مجردة، بل هو مجتمعاتٌ ذات سياقٍ وعاطفةٍ وتوقعات. لا يسعى إلى الكمال، بل إلى التماسك والاتساق.

هذه هي مهمة المتواصل: تجاوز نقل الرسائل إلى بناء المعنى. وتشكيل الثقافة لا بالشعارات، بل بالمضمون، وبناء الثقة من خلال الصدى. والقيام بذلك بوضوحٍ وشجاعةٍ وعناية، فجوهر السرد في النهاية ليس ما نقوله، بل ما نعيشه.

المؤلّفةلافانيا وادغاونكار

تشغل لافانيا منصب رئيسة قسم الاتصالات في شركة نيسان، حيث تقود جهود الاتصالات العالمية والتنوع والشمول والاستدامة. وبخبرةٍ دولية تزيد عن 29 عاماً، تُضفي لافانيا منظوراًسردياً على الاستراتيجية، إذ عملت في مختلف القطاعات وحصلت على تقديرٍ لإسهاماتها الإبداعية والأكاديمية.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-653-fluent-in-feeling-the-language-of-cultural-intelligence/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد


تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org