عندما يرفع المستهلكون هواتفهم: ما الذي يمكن أن تُعلّمنا إياه نشاطات الفيديو الاستهلاكية في الصين


يعكس ازدياد نشاط الفيديوهات القصيرة في الصين توقعاتٍ جديدة من الجمهور بشأن استجابة الشركات والسلطات.

بقلم زيزينغ يو Dr. Zizheng Yu

عندما نفكر في النشاط، غالباً ما نتخيل احتجاجاتٍ على أرض الواقع، أو عرائض، أو حركاتٍ اجتماعية جذرية. لكن في الصين اليوم، اتّخذ النشاط شكلاً مختلفاً تماماً، وأقلّ حدة: نشاط المستهلكين عبر مقاطع الفيديو.

أصبحت منصّات التواصل الاجتماعي القائمة على مقاطع الفيديو القصيرة، مثل Douyin وKuaishou وBilibili وWeChat، مساحاتٍ يُعبّر فيها المستهلكون العاديون عن مظالمهم، ويتحدّون الشركات، ويطالبون بالمساءلة. وكما يقول المثل الصيني: "الطفل الباكي يحصل على الحليب".

ومن خلال إظهار مظالمهم عبر مقاطع الفيديو القصيرة، يُضخّم المستهلكون استياءهم، ويجذبون انتباه الرأي العام ووسائل الإعلام، ممّا يضغط على الشركات أو الجهات التنظيمية لاتخاذ إجراءاتٍ بهذا الخصوص. في كتابي الأخير "نشاط المستهلكين في الصين: الفيديو وما بعده" (يو، 2025)، أستكشف كيف نشأت هذه الظاهرة ولماذا هي مهمة. على الرغم من أنّ بيئة الصين فريدةٌ من نوعها، إلا أنّ الدروس التي تقدمها ذات صلةٍ كبيرة بالمتخصصين العالميين في العلاقات العامة والإعلان.

كما يعكس صعود النشاط عبر مقاطع الفيديو القصيرة في الصين توقعاتٍ جديدة من الجمهور بشأن استجابة الشركات والسلطات. وفي الوقت نفسه، تعني الطبيعة الفيروسية لمقاطع الفيديو التي ينشئها المستخدمون أنّ سمعة المؤسسات باتت عرضةً للاختبار والتشويه بسرعةٍ غير مسبوقة.

قوة الواقع

معظم مقاطع الفيديو القصيرة التي ينشرها المستهلكون ليست إنتاجات إعلامية مصقولة. بل تُصوَّر بالهواتف الذكية، غالباً في مواقع حقيقية، وتمزج بين السرد الشخصي والأدلة الملموسة. قوة الواقع هي ما يعطيها تأثيراً: منتجٌ معطوب يُعرض على الكاميرا، تأخير فوضوي في قطار، أو مصنع تتسرب منه مياه ملوثة.

هذه الفيديوهات تُقنع المشاهدين بأنهم يشهدون الواقع مباشرةً، وليسوا بصدد قراءة تقريرٍ منقول. وعادةً ما تكون مدة هذه المقاطع أقلّ من دقيقة، حيث تُهيئ المشهد بسرعة، وتقدّم الأدلة، وتنتهي بسؤالٍ أو طلبٍ حاسم. هكذا إيجازيُضفي الوضوح ويُسهّل إمكانية المشاركة.

في السياق الاجتماعي الصيني، ينطوي النشاط التصادمي الصريح على مخاطرٍكبيرةٍ على المواطنين العاديين. لذلك، يُؤطِّر نشطاء الفيديوهات القصيرة تحركاتهم بلغة حقوق المستهلك. وعادةً ما يكون أسلوبهم هادئاًومتزناً، كما يُظهرون العقلانية مع تجنّب التدقيق المفرط أو الرقابة.

المشاركة أساسيةٌ للنجاح. حيث نادراً ما يكتفي النشطاء بتحميل الفيديو والانتظار؛إنهم يشجعون المشاهدين بنشاطٍ على الإعجاب والتعليق والمشاركة، أو يتصلون بالصحفيين والمدونين المشهورين لتضخيم قصتهم.

إجبار الشركات أو الجهات التنظيمية على الاستجابة

في نظامٍ يُمكن فيه تجاهل الأصوات الفردية بسهولة، تُعدّ استراتيجية "ناودا" (أي إثارة الضجة؛ وهي مصطلحٌ يُشير إلى الممارسات الاستراتيجية التي يتبعها المستهلكون الصينيون لتحقيق حضورٍ أكبر في الرأي العام) أساسية. فمن خلال تصعيد شكاويهم إلى نقاشاتٍ عامة، يُجبِر النشطاء الشركات أو الجهات التنظيمية على الاستجابة.

أمّا بالنسبة للعاملين في مجال العلاقات العامة والإعلان، تُقدّم هذه الموجة من نشاط المستهلكين عبر مقاطع الفيديو دروساً واضحة. أولها، عدم إمكانية تجاهل مقاطع الفيديو القصيرة كوسيلةٍ للاحتجاج.

عندما يكون الجمهور قد اطّلع على المشكلة، نادراً ما تقنعه الصياغة المكتوبة. فالفيديو القصير الشفاف الذي يوضّح كيفية قيام الشركة بحل المشكلة غالباً ما ينقل المصداقية بشكلٍ أفضل بكثير من النصوص أو الصور وحدها.

ثانيًا، تعتبر السرعة عاملاً حاسماً. إذ يمكن لمقطع فيديو قصير أن يصل إلى الملايين في غضون ساعات. كما لم يعد نظام الاستجابة المؤسسية التقليدي، ببطء الموافقات وطول التسلسل الهرمي، مناسباً لهذا الواقع. فالمؤسساتتحتاج إلى مراقبةٍ فورية وأنظمة إدارة أزمات أسرع، للاستجابة قبل تفاقم الضرر الذي يلحق بسمعتها.

ثالثاً، يجب على الشركات فهم الأسباب الكامنة وراء شكاوى المستهلكين. فالحوار الصادق وحل المشكلات يبنيان الثقة. والعلامات التجارية المعروفة بالشفافية والمساءلة أكثر مرونةً في مواجهة أزمات الفيديوهات القصيرة، لأنّ كلامها يحمل مصداقيةً أكبر. لكنّ هذه الثقة لا تُبنى بين عشيةٍ وضحاها، بل تنمو من خلال تفاعلٍحقيقيٍ طويل الأمد.

هل يُمثّل نشطاء الفيديوهات القصيرة في الصين المجتمع ككل؟ ليس تماماً. فهم عادةً ما يكونواشباباً، من سكان المدن، ذوي تعليم عالٍ، وملمّين بالتكنولوجيا الرقمية، ويفهمون ثقافة المنصات الرقمية. غالباً ما تكون اهتماماتهم قضايا يومية مثل المنتجات ذات العيوب، والخدمة غير العادلة، والمشاكل البيئية، أو المخاطر الأمنية. نادراً ما تظهر القضايا السياسية الأوسع، وذلك جزئياً لأنها أكثر حساسية، ولأن صياغة الشكاوى كقضايا استهلاكية تكون أكثر فاعلية.

تحوّلٌ إلى قضية رأيٍعام

على الرّغم من كون الناشطين يمثّلون أقلية، إلا أن مقاطع الفيديو التي ينشرونها غالباً ما تتجاوز دائرة متابعيهم لتنتشر على نطاقٍ واسع. فبمجرد أن تنتشر شكوى ما على نطاقٍ واسع، وتتناولها وسائل الإعلام، أو تستدعي تدخلاًرسمياً، يمكن أن تصبح بسرعةٍ قضية رأي عام.

الأثر ملموس. فقد حصل العديد من المستهلكين على تعويضاتٍ أو اعتذاراتٍ علنية بفضل هذه الاستراتيجية، بينما تدخلت الجهات التنظيمية بعد انتشار المنشورات على نطاقٍ واسع. حتى عندما تبقى الشكاوى الفردية دون حل، فإن انتشار هذه الفيديوهات يُثير نقاشاتٍ أوسع ويُشكّل التوقعات الاجتماعية.

وبمرور الوقت، يُرسّخ التعرض المتكرر لمثل هذا المحتوى معياراًجديداًيتوقّع فيه الجمهور من الشركات التصرف بمسؤولية، وتوثيق المشاكل بالفيديو. يمكن للاهتمام الجماعي أن يُحقق نتائج. وبالطبع، سيكون هناك جوانب سلبية. فقد تخضع مقاطع الفيديو للرقابة، ويُخاطر صُنّاع المحتوى بانتهاكات الخصوصية أو الانتقام، كما أنّ النجاح متفاوت، اعتماداً على الخوارزميات واللوائح وتغير اهتمام الجمهور.

مع ذلك، تبقى الرسالة الموجهة لمتخصصي الاتصالات واضحةً لا لبس فيها: نحن نعيش في عصرٍ يستطيع فيه كلّ مستهلك التسجيل والتحميل والبث. والشكاوى باتت تُقدَّم الآن في شكل مقاطع فيديو قصيرةٍ ومرئية، يسهل مشاركتها على نطاقٍ واسع. ولعلّ أهمّ ما يُذكِّرنا به نشاط مقاطع الفيديو القصيرة في الصين هو أنّ التواصل لم يعد أحاديّ الاتجاه. فالشركات والمؤسسات تخضع للمراقبة والتسجيل والتقييم باستمرار وفي الوقت الفعلي.

قد يبدو هذا الواقع مُقلقاً، ولكنه يُتيح الفرص أيضاً. فالأدوات نفسها التي يستخدمها المستهلكون للمطالبة بالمساءلة، يُمكن للمؤسسات استخدامها لإظهار التعاطف والمسؤولية. وأولئك الذين يلتزمون الصمت أو يعتمدون على تصريحاتٍ جوفاء يُخاطرون بفقدان السيطرة على الخطاب العام، بينما أولئك الذين يستجيبون بسرعةٍ وصدق وبشكلٍ بنّاء، يُمكنهم الخروج من هذه الأزمة أقوى.

المؤلّف الدكتور زيزينغ يو

الدكتور زيزينغ يو محاضر في الإعلام الترويجي بقسم الاتصالات والدراما والسينما في جامعة إكستر University of Exeter . تتناول أبحاثه الحديثة نشاط المستهلكين/القومية، والإعلان/الإعلام الترويجي، ومنصات التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك/دويين)، ومقاومة الذكاء الاصطناعي/الخوارزميات، وممارسات الإعلام الرقمي. وهو مؤلف كتاب "نشاط المستهلكين في الصين: الفيديو وما وراءه" (بالجريف ماكميلان Palgrave Macmillan، 2025). لينكد إن: (3) زيزينغ يو | لينكد إن

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-652-when-consumers-raise-their-phones-what-chinas-consumer-video-activism-can-teach-us/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد


تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org