إطلاق العنان للاستدامة: القوة التحويلية للاتصال الاستراتيجي
كيف يمكن للشركات أن تدمج إجراءات الاستدامة في أعمالها اليومية لإدارة المخاطر المادية؟ بقلم دانيال سيلبرهورن Daniel Silberhorn
لقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الشركات تكتفي بوضع أهداف استدامةٍ طموحة وتلقّي الإشادة عليها. وبغضّ النظر عن الخطاب السائد حالياً حول الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، أصبحت الشركات مطالبة اليوم بدمج إجراءات الاستدامة في صميم أعمالها اليومية لإدارة المخاطر الجوهرية ومواجهتها.
واقع الحال واضح. إذ تجاوزنا سبعةً من أصل تسعة حدود كوكبية تُمثل مساحة عمل ٍ آمنة للحياة البشرية على الأرض. ولنأخذ أزمة المناخ مثالاً، فهي تُعدّ من أبرز قضايا الاستدامة وأكثرها إلحاحاً في عصرنا الحالي، نظراً لآثارها السلبية على مستوى العالم.
في هذا الصدد، تشير تقديرات جامعة كامبريدج إلى أنّ أزمة المناخ تهدد ما يصل إلى 30% من الاقتصاد العالمي. وبالتالي، فإنّ العوامل الرئيسية المُحفزة لتحرك الشركات تتمثّل في التشريعات، وضغوط القطاع المالي، وتوقعات العملاء، ومطالب الموظفين، إضافةً إلى الإدراك المُتزايد بأن الاستدامة مسألة تتعلق بإدارة المخاطر وتعزيز المرونة.
ومن غير المُستغرب أن يتصدّر تغيّر المناخ قائمة ما تعتبره الشركات أهم قضايا الاستدامة، إلى جانب قضايا القوى العاملة، وفقاً للمجموعة الاستشارية الأوروبية لإعداد التقارير المالية (Efrag). ويجد هذا الترابط تجليه العملي في أولى تقارير الاستدامة المتوافقة مع معايير الإفصاح الأوروبي (CSRD).
كيف ندمج الاستدامة في الأعمال؟
تشير الإحصاءات إلى أنّ أكثر من 11,000 شركة حول العالم تتعاون مع مبادرة الأهداف القائمة على العلم (SBTi) لتقليل انبعاثاتها الكربونية بما يتوافق مع أحدث ما توصلت إليه علوم المناخ. ومن بين هذه الشركات، التزمت أكثر من 2,000 شركة بتحقيق هدف صافي انبعاثات صفرية.
ولكن كيف يمكن تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءاتٍ ملموسة داخل هيكل المؤسسة لتحقيق نتائج حقيقية؟
هذه ليست مهمة سهلة بالتأكيد، وتتطلب جهداً استراتيجياً ومستمراً، يهدف إلى إشراك جميع الجهات المعنية وضمان مشاركتهم الفعالة. ولتحقيق هذا التحول يجب التركيز على ثلاثة محاور رئيسية، وهي: الثقافة والحوكمة والقيادة.
من ناحيةٍ أخرى، يتطلب دمج الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) تفكيراً شمولياً، حيث يحدث التغيير الداخلي ضمن إطار البيئة الخارجية. فإلى جانب ما يُقال لهم مباشرةً، يرى الموظفون ويحكمون على سلوك الشركة الفعلي وممارساتها على أرض الواقع. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار التواصل الخارجي انعكاساً مباشراً للتواصل الداخلي.
ولهذا السبب، يحتاج القائمون على التواصل إلى العمل بشكلٍ وثيق مع مسؤولي الاستدامة. فالتكامل بين الاستراتيجية الداخلية والتطبيق الخارجي يجب أن يسير جنباً إلى جنب، ولا يمكن اعتبارهما متناقضين، لأنّ ذلك سيؤدي حتماً إلى فشل الشركة.
خارجياً: المشاركة، والشفافية، وتحديد المواقع
خارجياً، يتمثّل دور التواصل في الاستدامة في إجراء حوارٍ مستمرٍ وعلني مع الأطراف صاحبة المصلحة، وهو شرطٌ أساسي لدمج ممارسات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية بمصداقية.
فعلى سبيل المثال، تدعو شركة نستله بانتظام صغار المزارعين والمنظمات غير الحكومية والمستثمرين إلى منتدياتٍ حوارية، وتنشر ملاحظاتهم في تقريرها "خلق القيمة المشتركة". وبهذه الطريقة، تهدف الشركة إلى تعزيز الثقة، وإشراك شركائها الرئيسيين بفعالية في استراتيجيتها للاستدامة.
كما يُعدّ التزام الشفافية في الإفصاح عن التقدّم المحرز عاملاً أساسياً لكسب ثقة الأسواق المالية والمستهلكين. فمجموعة BMWعلى سبيل المثال، تستخدم تقريراً سنوياً متكاملاً للاستدامة، يعرض المؤشرات البيئية، والمشاركة الاجتماعية، وممارسات حوكمة الشركات عبر الإنترنت.
كما يمكن للقادة تحقيق مكاسب من حيث السمعة، حيث أطلقت Patagoniaباتاغونيا حملة "لا تشترِ هذه السترة" لتسليط الضوء على خدمات الإصلاح والمنتجات المتينة. وقد رسّخت هذه الاستراتيجية التواصلية الجذرية مكانة العلامة التجارية كرائدةٍ موثوقة في مجال الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، مع تعزيز المبيعات على المدى الطويل.
ويمكن للتواصل الهادف بشأن ممارسات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية أن يُسهّل الوصول إلى رأس المال المستدام.فشركة أورستيد Ørstedالتي تحولت من شركة النفط والغاز الدنماركية "دونغ" إلى شركةٍ رائدة في مجال طاقة الرياح البحرية، وازنت هذا التحول الاستراتيجي برسائل واضحة في جلسات الإحاطة للمستثمرين وجولات الترويج.
وأخيراً، تُظهر المناصرة العامة دور الشركة في تحمّل المسؤولية الاجتماعية، فالعمل مع السياسيين والمجتمع يُمكن أن يُسهم في صياغة اللوائح التنظيمية بما يتماشى مع الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة. كما أنشأت شركة يونيليفر Unileverصندوق المناخ والطبيعة، وحرصت على تعزيز هذا الإجراء بإصدار تقارير علنية عن جهودها في الضغط من أجل تشديد لوائح حماية المناخ.
داخلياً: التحالف، والسرد، ودمج الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات
يُعدّ تطبيق الاستدامة مهمةً إدارية تتطلب إدخال تغييراتٍ في هياكل وعمليات الشركات، وغالباً ما تمتدّ هذه التغييرات لتشمل ثقافتها أيضاً. لذلك، يجب على الشركات تعزيز القبول والالتزام بين الموظفين لضمان نجاح هذا التحول.
لكن يفشل ما يصل إلى ثلثي مشاريع التغيير، وغالباً ما ترجع أسباب هذا الفشل إلى أخطاء تتعلق بالتواصل والقيادة. ووفقاً لجون ب. كوترJohn P. Kotter، من أكثر هذه الأخطاء شيوعاً:
• الخطأ الأول: عدم إيجاد شعورٍ كافٍ بالإلحاح.
• الخطأ الثاني: عدم تكوين تحالفٍ توجيهيٍ قوي بما يكفي.
• الخطأ الثالث: الافتقار إلى رؤيةٍ توضّح الاتجاه.
• الخطأ الرابع: التقصير في إيصال الرؤية بمقدار عشرة أضعاف.
كثيراً ما نرى شركاتٍ تُركّز على الجانب التقني من عملية التحوّل نحو الاستدامة: كتطوير استراتيجية (دون إشراك الجهات صاحبة المصلحة)، ووضع الأهداف، وتحديدالخططالزمنية، وجمع بيانات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وإدارتها. مع أنّ هذا كله جزءٌ من العملية، إلا أنّ النجاح يبدأ دائماً من رؤية.
وتُظهر التجربة أنّ القادة غالباً ما تتباين آراؤهم حول مفهوم الاستدامة، وخاصةً فيما يتعلق بتطبيقه على أعمالهم. كما أنهم نادراً ما يخوضوا نقاشاتٍ معمّقة حول هذا الموضوع .
إلا أنّ الحاجة إلى رؤيةٍ مستقبلية متّفقٍ عليها تبقى ضروريةً لاتخاذ القرارات الصائبة في العمليات اليومية: بدءاً من تحديد وجهة الاستثمار، ومروراً بتحديد المجالات التي يجب التركيز عليها، وصولاً إلى ترتيبات الأولويات في مواجهة تضارب المصالح.
سردية الاستدامة كدليلٍ للتغيير
من خلال العمل مع العملاء، نساعد على بناء فهمٍ مشترك للاستدامة بين كبار المسؤولين التنفيذيين، حيث نبدأ أولاً بتحديد مستوى طموحهم. تسهم هذه العملية في صياغة سرديةٍ حقيقية تشكّل أساساً تواصلياً للقيادة وإدارة التغيير، تجيب عن أسئلةٍ جوهريةٍ مثل ماذا نفعل؟ وكيف نفعل ذلك؟ ولماذا نقوم به أصلاً؟ هذه السردية هي دليل التغيير الذي نتّبعه.
وعند وضع استراتيجية استدامةٍ مؤسسية أو مراجعتها، يُعدّ إشراك أصحاب المصلحة أمراً أساسياً لاستقطاب وجهات النظر والرؤى ذات الصلة. ولا تقتصر فائدة هذا الإشراك على مرحلة الصياغة فحسب، بل تمتد إلى مرحلة التنفيذ، مما يعزّز فرص النجاح. فقد تجاهل أحد عملائنا، على سبيل المثال، إشراك فريق المشتريات في مرحلةٍ مبكرة، مما استدعى لاحقاً بذل جهودٍ مضنية لإشراكهم.
وفي الواقع، يُمكن أن يؤدي إشراك أصحاب المصلحة في عملية التغيير إلى زيادة المشاركة، وتخفيف المقاومة، ورفع جودة النتائج. حيث يتعلق الأمر بإشراكهم في التفكير والحوار كلما كان ذلك ممكناً. ولتحقيق ذلك، أستخدم صيغاً تعاونية وتشاركية مثل طريقة LEGO Serious Playأو ورشة Climate Freskالتعليمية حول المناخ.
معاً نخلق سيمفونية الاستدامة
بعد صياغة الرؤية من القاعدة إلى القمة، يحين الوقت لنشرها وتطبيقها بشكلٍ منهجي مع مراعاة تسلسلها من الأعلى إلى الأسفل، لتوجيه وحدات الأعمال والمناطق والوظائف المختلفة ومحفظة المنتجات. يجب أن تكون الاستدامة جزءاً لا يتجزأ من القيادة وعمليات التشغيل و الدعم.
المطلوب الآن هو "سيمفونية استدامة" تتناغم فيها جميع الأقسام، من البحث والتطوير والتسويق إلى الإنتاج وسلسلة التوريد والتمويل والموارد البشرية. وهذا يشمل التوظيف والتدريب وأنظمة الحوافز وصياغة الثقافة المؤسسية - حيث يبرز دور التواصل الداخلي كعاملٍ رئيسي مرةً أخرى.
الموظفون هم محرك هذا التحوّل. من خلال حملتها "نصنع الكيمياء لمستقبلٍ مستدام"، قامت شركة باسف BASF، على سبيل المثال، بتدريب موظفيها في أكثر من 90 دولة، وعملت على تبادل قصص نجاح وأفضل الممارسات، وأنشأت بوابةً لتلقّي الأفكار والمقترحات. وهكذا أصبحت الاستدامة ملموسةً ومتجذرة كهدفٍ مؤسسيٍ شامل.
إنّ التحول نحو الاستدامة ليس مجرّد مشروعٍ عابر- بل هو تغييرٌ نموذجي يشمل كافة جوانب العمل. ومن خلال قدراته التحويلية، يُطلق التواصل الاستراتيجي العنان الكامل لقوة الاستدامة.
المؤلّف دانيال سيلبرهورن
دانيال سيلبرهورن هو مستشار أول للاستدامة والتحول البيئي والاجتماعي والحوكمة في شركة SLRالاستشارية، ورئيس فرع التغيّر المناخي في الجمعية الدولية للعلاقات العامة. وهو أيضاً محاضر في مجال الاستدامة والعلاقات العامة العالمية في جامعة إرفورت.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار