قطاع الصناعة، والتعليم العالي، وجيلٌ جديدٌ من خبراء الاتصال: تعاونٌ أعمق وأكثر تخطيطاً
كثيرٌ من الخريجين غير مؤهلين لمتطلبات وظائف العلاقات العامة. يجب على المعلمين والمتخصصين في هذا المجال التعاون لدمج قدراتٍ جديدة في هذه المهنة. بقلم آن غريغوري. Anne Gregory
من البديهي القول إننا نعيش في عالمٍ سريع التطور يتميز بالتحول الرقمي والعولمة والتغيير الاجتماعي العميق. إذ تجد مهنة العلاقات العامة نفسها في صدارة هذا العالم، حيث أصبحت الحاجة إلى محترفي العلاقات العامة المتعلمين والمستعدين لهذا المشهد أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى.
فمع مواجهة الشركات والحكومات والمنظمات غير الربحية لمخاطر متزايدة ورقابة ومطالبة بالشفافية، اتّسع دور متخصصي العلاقات العامة. ومع التوقعات بأنّ ما يصل إلى 90٪ من المحتوى سيتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، يواجه متخصصو العلاقات العامة تحوّلاً جوهرياً في أدوارهم.
من المتوقع أن يكون متخصصو اليوم على درايةٍ بالبيانات، وكفاءةٍ ثقافية، وأسسٍ أخلاقية، ومرونةٍ تكنولوجية. وسيُطالَب الجيل القادم بمهاراتٍ أعلى. ولمواجهة هذا التحدي، يجب على الأوساط الأكاديمية والممارسة التعاون بشكلٍ أعمق وأكثر تخطيطاً. وهذه الشراكة ضروريةٌ ليس فقط لمواءمة البرامج الأكاديمية مع متطلبات العالم الحقيقي، ولكن أيضاً لضمان دمج القدرات الجديدة في المهنة.
تطوّر متطلبات الصناعة
لم يقتصر مجال العلاقات العامة والاتصال الاستراتيجي على صياغة المحتوى أو إدارة العلاقات الإعلامية فحسب. فقد أدى ظهور وسائل الإعلام الرقمية، والمؤثرين، وأدوات الاتصال التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والترابط العالمي والمخاطر، إلى إعادة تعريف الكفاءات اللازمة للنجاح. ومما يثير القلق، ما أوضحته دراسةٌ حديثة من أن تعقيد الدور يُهدد بتجاوز ما هو متوفرٌ من الكفاءات المؤهلة.
للأسف، كافحت العديد من البرامج الأكاديمية لمواكبة وتيرة التغيير، كما أنّ الإجراءات البيروقراطية في الجامعات تعني غالباً تخلّف المناهج عن تطورات الصناعة. وهذا يترك الخريجين غير مستعدين لمتطلبات أدوار العلاقات العامة الحديثة. وهناك حجةٌ مشروعة مفادها أنّ وتيرة التغيير هذه تجعل أيّ مادةٍ تُدرّس للطلاب تصبح قديمةً عند دخولهم سوق العمل. ولا شكّ أن التعاون الفعّال بين المعلمين والمتخصصين في هذا المجال ضروريٌ لمعالجة هذه المشكلة.
دور التعليم العالي
يلعب التعليم العالي دوراً محورياً في تطوير أسس متخصصي العلاقات العامة. وغالباً ما تبقى النظريات مواكبةً للعصر، بينما يتغير سياق التطبيق العملي باستمرار. كما تتجاوز مسؤولية الجامعات تعليم المهارات التقنية وحدها، لتمتد إلى صقل قدرات الطلاب على التفكير النقدي، ومحو الأمية الإعلامية، والأطر الأخلاقية، وهي أمورٌ أساسيةٌ للممارسة السليمة. ولا شكّ أنّ المقررات الدراسية يجب أن تعكس أيضاً أحدث الاتجاهات والتقنيات، وينبغي لأعضاء هيئة التدريس التواصل مع المتخصصين لمواكبة أحدث التطورات.
ماذا عن مستقبل المهنة؟
مع أتمتة مهام العلاقات العامة التكتيكية والاتصال الاستراتيجي، تُجبَر المهنة على إعطاء الأولوية للتفكير في كيفية تطوّر الأدوار. أمّا استراتيجياً، على مستوى الممارسة والمؤسسة، تتضح الحاجة بشكلٍ متزايد إلى مناهج حوكمة فعّالةٍ للمخاطر، وخاصةً الذكاء الاصطناعي. وهناك دورٌ واضحٌ لمحترفي العلاقات العامة والاتصال الاستراتيجي في حوكمة سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من التوريد، مروراً بالاستخدام، وصولاً إلى مراقبة التأثيرات قصيرة وطويلة الأجل. وينطبق الأمر نفسه على معالجة التحديات المحتملة وإدارة المخاطر المرتبطة بهذه التقنية.
ستتطلب الآثار السلبية والإيجابية المحتملة للذكاء الاصطناعي على العلاقات، وأصحاب المصلحة، وسمعة المؤسسة، والمجتمع ككل، مراقبةً وتحركاً مستمرين. سيُصبح الحفاظ على سلامة المؤسسة، من خلال ضمان اطلاع كبار المديرين على الرأي العام بشأن القضايا الرئيسية، وتقديم المشورة بشأن اتخاذ القرارات الأخلاقية، وضمان مراعاة آراء أصحاب المصلحة في جميع القرارات، دوراً متزايد الأهمية لممارسي العلاقات العامة. كما يُعدّ التنبؤ بالمخاطر وإدارتها مجال عملٍ بالغ الأهمية، وسيزداد أهميةً في المستقبل. ومن المتوقع والمرحب بدورٍ أكبر لمستشارٍ أول للعلاقات العامة.
في هذا المستوى الإداري، يُقدّر قادة المؤسسات متخصصي العلاقات العامة لقدرتهم على الحفاظ على أمن المؤسسة، ومعرفتهم بأصحاب المصلحة، وفهمهم المعاصر للتواصل والسياق الأوسع، وخاصةً روح العصر المتمثلة بالمزاج العام السائد. لا يُمكن اختزال قدرتهم على دمج هذه الأمور وإصدار أحكامٍ دقيقة في سلسلةٍ من المهام التي يُمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها، مع أنه يُمكن بالطبع استخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير التحليلات وبعض خيارات الاختيار.
إذاً، السؤال هو: كيف نُعلّم هذه الأمور؟ كيف نغرس "الحكمة الدنيوية" في عقولٍ شابةٍ نسبياً - مع أنّ تجربتي تُشير إلى أنّ بعض العقول الشابة تتمتع أيضاً بحكمةٍ كبيرة. أقترح أن يُشير هذا إلى منهجٍ دراسيٍ يُحافظ على الجوانب النظرية: الحوار، وبناء العلاقات، وجوانب علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة، والإدارة، والقيادة، وهي جوانب خالدةٌ ومهمة. ومن الواضح أنّ مهارة استخدام منصات وأدوات الاتصال التقليدية والجديدة ستكون أساسية، إلى جانب مهاراتٍ أحدث مثل التحليلات والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإنّ التركيز على جوانب العلاقات العامة الأصعب تعليماً، مثل التعاطف الدقيق، والحكم السليم، وتقدير الذات والآخرين، وتقدير السياق، والتفكير والتحليل النقدي، وتفسير ما لم يُقال، والقدرة على ربط الأمور ببعضها، سيكون بنفس الأهمية، إن لم يكن أكثر. ستتغيرُ المنصات وتختفي، لكنّ هذه المهارات "الناعمة" ستبقى ذات صلةٍ دائمة، وستزداد أهميتها يوماً بعد يوم.
بناء شراكاتٍ أقوى بين القطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية
إذاً، كيف يمكن تحقيق هذا عملياً؟ هناك حاجةٌ إلى بذل جهدٍ متضافر من قبل كلٍّ من قطاع العلاقات العامة ومؤسسات التعليم العالي لوضع خطة طريق للمضي قدماً في هذا الشأن. ويمكن أن تتخذ هذه الشراكة أشكالاً عديدة:
• مجموعات التفكير الاستشارية: تختلف عن مجالس الإدارة الاستشارية القديمة حيث كان محترفو الصناعة يقدمون رؤىً حول الاتجاهات الحالية واحتياجات التوظيف والتحديات الناشئة. يجب أن تكون هذه مجموعات تفكير تعاونية لا يتم فيها مناقشة طبيعة المهنة المستقبلية فقط، بل وصياغتها.
• المحاضرات الضيفية ومساهمات الممارسين بدوام جزئي: الابتعاد عن قصص المسيرة المهنية والإنجازات المعتادة نحو معالجة قضايا حقيقية من الحياة لا توجد لها حلولٌ فردية أو مؤكّدة. سيشجَع الطلاب على مواجهة التعقيدات وتطوير نهجٍ قائمٍ على إيجاد الحلول.
• التدريب الداخلي والتوجيه: برامج تدريب وتوجيه فعّالة تتيح للطلاب اكتساب خبرةٍ عملية، وارتكاب الأخطاء في بيئةٍ آمنة، وبناء شبكاتٍ مهنية. لا ينبغي استخدام هذه البرامج لجعل الطلاب يقومون بـ"العمل الشاق" الذي لا يريد أحدٌ آخر القيام به.
• مشاريع البحوث المشتركة: يمكن للتعاون بين الأكاديميين (مع الطلاب أو بدونهم) والممارسين في مشاريع البحوث أن يُنتج رؤىً قيّمة لكلٍّ من الفصل الدراسي ومكان العمل.
• مشاريع التخرج ومشاريع العميل: قيام محترفين من الصناعة برعاية مشاريع من العالم الحقيقي تتيح للطلاب تطبيق ما تعلموه. تمنح هذه المشاريع الطلاب لمحةً عن العمل المهني وتغرس فيهم مهارات التعامل مع العملاء مثل إدارة العلاقات وإدارة المشاريع، وتطور المهارات الشخصية المهمة مثل العمل الجماعي والقيادة والاحترافية.
• سيناريوهات المحاكاة وألعاب الأعمال: تعاون بين الأكاديميين والممارسين لتصميم نماذج محاكاة تنمّي لدى الطلاب الوعي بالسياق والعلاقات، وتدفعهم لاتخاذ خيارات في بيئةٍ تحاكي واقع الممارسة العملية.
التأكيد على التعلّم مدى الحياة
لم يعد التعليم حكراً على برامج البكالوريوس، بل توسّعت مؤسسات التعليم العالي اليوم لتقديم برامج مصممة خصيصاً للمهنيين، كما في البرنامج الذي أديره لصالح خدمة الاتصال الحكومي البريطاني مع كبار مسؤولي الاتصال في الحكومة.
يلعب التعليم العالي دوراً في ترسيخ ثقافة التعلّم المستمر. فمن لا يكون منفتحاً على التعلم لا ينمو ولا يتقبّل التغيير. يمكن للدورات القصيرة، وبرامج الشهادات، والتعليم المستمر، سواءً عبر الإنترنت أو خارجها، أن تساعد المهنيين الحاليين على تحديث معارفهم، وبناء شبكات مهنية داعمة، وتوفير مسارات مرنة لأولئك الذين يرغبون في الانضمام إلى المهنة. إنّ تقاطع احتياجات الصناعة والموارد الأكاديمية يوفّر أرضاً خصبةً للابتكار في التطوير المهني.
خاتمة
إنّ إعداد الجيل القادم من متخصصي العلاقات العامة والتواصل الاستراتيجي هو مسؤوليةٌ مشتركة. إذ يتطلب الأمر حواراً صريحاً وتبادلاً للاحترام بين الأوساط الأكاديمية والصناعة، دون هيمنة أيٍّ من الطرفين على الحوار. كما يجب أن تقوم هذه الشراكة على أهدافٍ مشتركة تضمن إخراج خريجين ليسوا مستعدين لوظائفهم فحسب، بل مؤهّلين أيضاً لتشكيل مستقبل المهنة.
المؤلّفة آن غريغوري
آن غريغوري حاصلة على الدكتوراه، وهي أستاذة فخرية في الاتصال المؤسسي بجامعة هدرسفيلد University of Huddersfield. تدرّس في برامج التعليم التنفيذي لحكومة المملكة المتحدة، وأستاذة زائرة في جامعة RMITبأستراليا، ومعهد ليهاتان سيمبونج براسيتيو راهارجو (LSPR) بإندونيسيا، كما تشغل منصب أستاذ زائر في جامعات: نافارا بإسبانيا؛ وجوهانسبرغ بجنوب أفريقيا؛ وجامعة التكنولوجيا في سيدني (UTS) بأستراليا.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار