الاستعداد لأزمات ما بعد البشرية: سيناريو الذكاء الاصطناعي 2027 وتأثيراته على العلاقات العامة

يجب على متخصصي العلاقات العامة بناء استراتيجيات تكيفية استعداداً للتطور السريع للذكاء الاصطناعي بعد مرحلة "الوكلاء غير الموثوقين" الحالية. بقلم فيليب بوريمانزPhilippe Borremans

لقد صمدت مهنة العلاقات العامة أمام تحولاتٍ لا حصر لها، من التلفزيون إلى وسائل التواصل الاجتماعي. إلّا أنّ تحوّلاً واحداً قد يفوقها أهمية، يتمثّل في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد تتفوق على الذكاء البشري في غضون ثلاث سنوات.

يرسم بحث مشروع "مستقبل الذكاء الاصطناعي" خرائط شهرية لإمكانيات تطوير الذكاء الاصطناعي حتى عام 2027. يستكشف هذا العمل _ الذي يقوده دانيال كوكوتاجلو وسكوت ألكسندر بمشاركة أكثر من 100 متخصص في الذكاء الاصطناعي_ مسارين محتملين: التطوير غير المقيد الذي يؤدي إلى كارثةٍ محتملة، أو التباطؤ المتعمّد الذي يحافظ على الرقابة البشرية.

تمنحنا هذه التوقعات رؤى قيمة للتخطيط الاستراتيجي. ففي غضون عامين فقط، قد نجد أنفسنا في مواجهة أزماتٍ تتطلب منا شرح قرارات الخوارزميات للجمهور القلق، بينما نحاول مكافحة المعلومات المضللة التي يولّدها الذكاء الاصطناعي، والتي تنتشر بسرعةٍ تفوق أيّ قدرةٍ بشرية على الرد.

الخط الزمني الذي يُغيّر كلّ شيء

نمر حالياً بمرحلة "الوكلاء غير الموثوقين" - حيث تُدير مُساعدات الذكاء الاصطناعي مهاماً أساسية، ولكنها تحتاج إلى مراقبةٍ مُستمرة. وخلال الأشهر المُقبلة، تُخطط شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لنشر نماذج باستخدام قوة حوسبة أكبر بألف مرة. وبحلول أواخر هذا العام، قد ينتج عن ذلك "نظام العامل-1" - وهي أنظمةٌ ممتازة في المهام المعقدة ولكنها تميل لإخبار الناس بما يرغبون بسماعه، وقد تصل إلى الكذب في بعض الأحيان.

في عام 2026، قد تعمل أتمتة البرمجة على تعزيز إنتاجية البحث بنسبة 50%، في خضمّ تنافس الدول على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد تسبب خسارةُ الوظائف اضطرابات اجتماعية تستدعي استجابات تواصل مُتطورة. ليبلغ السيناريو ذروته في عام 2027 مع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتية التحسين. وهنا، ينقسم الوضع إلى مسار "السباق" حيث يُؤدي التقدم غير المُقيد إلى سعي الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف غير بشرية، مقابل "مسار التباطؤ" حيث تحافظ الشراكات الدولية على سيطرة البشر.

فرصٌ تحويلية

يمكن للذكاء الاصطناعي المتقدم أن يُحسّن ممارسات العلاقات العامة بشكلٍ كبير. فالتحليلات التنبؤية الفورية قد تُحدث نقلةً نوعية في التواصل بشأن المخاطر، مما يسمح للمتخصصين برصد التهديدات بدقةٍ أكبر بكثير. كما يُمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي فحص مجموعات بياناتٍ ضخمة للتنبؤ بأزمات السمعة أو كشف المشكلات الناشئة مبكراً.

كذلك يمكن أن تُصبح الاستجابة للأزمات أكثر كفاءةً بفضل تنسيق الذكاء الاصطناعي للعمل عبر قنواتٍ متعددة، مع تكييف المحتوى ليتناسب مع جماهير مُختلفة. وتبرز الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي في اتصالات الطوارئ، حيث تراقب البوابات الذكية وسائل التواصل الاجتماعي للكشف عن المعلومات المضلة، ثم تصيغ ردوداً للتحقق من الحقائق، وتنشر معلوماتٍ مُوثّقة لمواجهة السرديات المُضللة بسرعة وعلى نطاقٍ واسع.

توجيه المخاطر الجديدة

ومع ذلك، تتطلب التحذيرات التي يقدمها السيناريو دراسةً جادة. فقد يخلق "عدم الانسجام" – أي عندما تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي أهدافاً تتعارض مع تلك المقصودة منها– مشكلات في التواصل. كما قد تفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي السرعة على الدقة، مما يؤدي إلى نشر معلوماتٍ مضللة، أو قد تخفي تفاصيل مهمة لكنها مقلقة.

ولا تقلّ نقاط الضعف الأمنية خطورة. إذ يتنبأ السيناريو باحتمالاتٍ كبيرة لسرقة نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يمنح الخصوم أدواتٍ متطورة لنشر المعلومات المضللة. وقد تتفاقم التحديات الأخلاقية المتعلقة بالتحيز، مما يعمّق فجوة التواصل، حيث يمكن للأنظمة المدربة على بيانات تاريخية أن تهمّش الخدمات المقدمة للمجتمعات المهمشة أساساً. وتشكّل "هلوسات" الذكاء الاصطناعي – ذلك المحتوى الخاطئ الذي يبدو مقنعاً –مخاطر خاصة تستدعي تطوير أساليب جديدة للتحقق ورقابة مستمرة.

الآثار العملية

يشير السيناريو إلى تحولاتٍ أساسية في العمل اليومي في مجال العلاقات العامة. فقد تصبح المهام الروتينية مثل تحليل البيانات وصياغة المحتوى مؤتمتة، مما يحرر المهنيين للتفرغ للتفكير الاستراتيجي والإشراف الأخلاقي على عمل الذكاء الاصطناعي. حيث يجب أن يتحول التطور المهني نحو فهم آلية اتخاذ أنظمة الذكاء الاصطناعي للقرارات، وكيفية الحفاظ على سيطرة بشرية فعالة عليها.

كما تحتاج خطط واستعدادات إدارة الأزمات إلى التحديث لمواكبة سيناريوهات المحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، ووضع خطط استجابة مكثفة. في حين يزداد التنسيق الدولي تعقيداً نظراً لتباين قدرات الذكاء الاصطناعي بين المنظمات والدول، مما يستلزم وضع استراتيجيات اتصال تراعي تفاوت مستويات الاعتماد على هذه التقنيات واختلاف الأطر التنظيمية الحاكمة لها.

الاستعداد لمستقبلٍ غير مؤكّد

لا تزال النتائج غير مؤكدة وتعتمد على القرارات التي تُتخذ الآن. فمسار "الإبطاء" يشير إلى أن الحوكمة الدقيقة يمكنها ضمان تعزيز الذكاء الاصطناعي لممارسات التواصل بدلاً من تقويضها.

فالاستعداد الفعلي يعني بناء استراتيجياتٍ تكيفية تشمل سيناريوهاتٍ متعددة تعتمد على: منهجياتٍ تُشرك البشر في إدارة الذكاء الاصطناعي، وتُحافظ على إشرافهم، وطرقٍ سريعة للتحقق من محتواه، وأطر التواصل التي تعمل عندما يتصرف الذكاء الاصطناعي بشكلٍ غير متوقّع. وهنا تبرز أدوار الجمعيات المهنية مثل IPRAفي وضع المبادئ التوجيهية الأخلاقية، والحفاظ على دور الإنسان المحوري في قرارات التواصل.

يقدم هذا البحث رؤى قيمة للتخطيط للسيناريوهات المستقبلية. ورغم أنّ هذه التوقعات ليست يقينية، إلا أنها تقدم إرشاداتٍ أساسية لتطوير استراتيجياتٍ تكيفية فعّالة. فسواءً أصبح الذكاء الاصطناعي أداة تواصلٍ قوية أو مصدراً لمخاطر جديدة، فإن ذلك مرهونٌ بالقرارات التي سيتم اتخاذها خلال الأشهر الثمانية عشر القادمة من قبل الممارسين والمنظمات وصُناع السياسات على حدٍّ سواء.

إنّ ما نواجهه يمثّل فرصةً ومسؤوليةً لمهنتنا في آنٍ واحد. حيث يتطلب النجاح استغلال الإمكانات مع البقاء في حالة تأهبٍ للمخاطر، وضمان خدمة التقدم التكنولوجي لاحتياجات التواصل البشري دون أن يحلّ محلّ الحكم البشري نفسه.

بينما تفكّر في هذه السيناريوهات، اسأل نفسك: هل تضع خطتك لإدارة الأزمات في الاعتبار حملات التضليل التي يولّدها الذكاء الاصطناعي؟ هل تطور المهارات اللازمة للإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ كيف ستحافظ مؤسستك على التعاطف البشري أثناء استخدام الأدوات الآلية؟ والأهم ربما – ما الدور الذي ستمارسه في تشكيل طريقة تحويل الذكاء الاصطناعي لمهنتنا، بدلاً من مجرد رد الفعل على التغييرات؟

تمّ تناول هذا الموضوع في الأصل بشكلٍ متعمق وبالتفصيل في النشرة الإخبارية الأسبوعية "Wag The Dog".

المؤلّف فيليب بوريمانز

فيليب بوريمانز هو مستشار مستقل متخصص في مجال اتصالات المخاطر والأزمات والطوارئ، ويتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عقدين من العمل مع منظمات صحية الدولية (كمنظمة الصحة العالمية، والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها)، إلى جانب الحكومات، والشركات. شغل سابقاً منصب رئيس الجمعية الدولية للعلاقات العامة، وهو مؤلف كتاب "إتقان الاتصال في الأزمات باستخدام ChatGPT"، ويصدر النشرة الإخبارية والبودكاست "Wag The Dog".

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-646-preparing-for-post-human-crises-the-ai-2027-scenario-and-its-implications-for-public-relations/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org