عندما تكذب العناوين الرئيسية، تموت الثقة: لماذا تُعتبر العناوين الرئيسية المضللة ساحة المعركة الكبرى القادمة للعلاقات العامة؟
يجب أن تُبقينا المواد التسويقية المُضلِّلة، نحن المسؤولين عن إدارة سمعة المؤسسة، بحالة قلقٍ دائم. بل والأهم من ذلك، تتطلب مواجهتها تحرّكاً فورياً قبل فوات الأوان. بقلم داستن تشيك Dustin Chick
على مدار الأشهر القليلة الماضية، طرح عليّ أكثر من عميلٍ نفس السؤال: كيف نتعامل مع تزايد المحتوى المُضلل في وسائل الإعلام السائدة؟ قلقهم حقيقي، وإحباطهم ملموس. ما كان يبدو في السابق مجرّد إزعاجٍ عرضي، أصبح الآن اتجاهاً عالمياً يكتسب زخماً، مدفوعاً بتحولات المنصات والضغوط الاقتصادية الأساسية.
للأسف، الأمثلة تتحدث عن نفسها.
عناوين مضللة. نتائج سنوية لشركاتٍ مدرجة تُبلّغ عن أخطاء، بشكلٍ صادم، مع تردّدٍ واضح في معالجة الأسباب الجذرية. منصاتٌ "إخبارية" تضخّ نصوصاً مُولّدةً بالذكاء الاصطناعي، تتأرجح بين الإثارة والتضليل الصريح. وأصبحنا نرى بشكلٍ متزايد محتوى مُثيراً للغضب، مُصممٌ للاستفزاز بدلاً من الإعلام.
هذه الظاهرة ليست مجرّد صحافةٍ مهملة أو نتاجاً ثانوياً عابراً لاقتصاد الأخبار الرقمي، بل هي أشدّ ضرراً بكثير؛ إنها تهديدٌ يقوّض أساس المصداقية ذاتها. ومتى ما تآكلت الثقة، انهار كلّ ما يتبعها.
الدليل: أزمة ثقةٍ عالمية
على الرغم من أنّ الأبحاث العالمية الشاملة حول انتشار المحتوى المُضلِّل لا تزال محدودة، إلا أنّ ما يُقدَّر بحوالي 30% من العناوين الرئيسية عالمياً يُمكن تصنيفها الآن على أنها محتوى مُضلِّل، مما يُقوِّض الثقة في وسائل الإعلام. لكن على مواقع الصحف الشعبية ومواقع تجميع الأخبار، وخاصةً تلك التي تستهدف جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، يُرجَّح أن تكون هذه النسبة أعلى. أمّا في أفريقيا جنوب الصحراء وحدها، تُشير الأدلة القصصية إلى أن المعدلات تتجاوز 40%.
في هذا الإطار، تُقدِّم أحدث الأرقام التي نشرها معهد رويترز بعض المعلومات المُفيدة. فعالمياً، يعتقد 58% من الناس أنّ المعلومات المُضلِّلة لا تزال تُشكِّل مصدر قلقٍ كبير في بيئة الأخبار. في أفريقيا، ترتفع هذه النسبة إلى 73% (أي ما يُعادل نسبة الولايات المتحدة). والأكثر إثارةً للقلق هو أنّ 32% من الناس يعتقدون أنّ الصحفيين جزءٌ من المشكلة.
وفي جنوب أفريقيا تحديداً، يقول 41% من الناس إنهم "يميلون إلى تجنب متابعة الأخبار (أحياناً أو غالباً)"، وهو ما يُطابق الرقم المُسجل عام 2024. وهذه من بين أعلى المستويات عالمياً.في حين ارتفع تجنب الأخبار على مستوى العالم بشكلٍ حاد، من 29% في عام 2017 إلى حوالي 40% في عام 2025.
فهم السبب: اقتصاديات المنصات وضغوط الخوارزميات
يتجه التحول المتسارع نحو الاستهلاك عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو إلى تقليل تأثير "الصحافة المؤسسية" ويعزز بيئةً إعلامية بديلة مجزأة تحتوي على مجموعةٍ من الصحفيين المستقلين والناشطين الإعلاميين من منتجي البودكاست، ومستخدمي اليوتيوب، وتيك توك.
إنه تحولٌ تقوده خمس آلياتٍ رئيسية في المنصات:
• تفضّل الخوارزميات التفاعل على الدقة: الحقيقة هي أن المحتوى الاستفزازي يحظى بالترويج، بغض النظر عن صحته.
• اللحظات الآنية أهم من العلاقات: مما يعني أن المكاسب قصيرة الأجل ستتفوق دائماً على السمعة طويلة الأجل.
• التخصيص ينشئ غرفة صدى مثالية: من خلال تقديم محتوى للمستخدمين يؤكد فقط تحيزاتهم المسبقة.
• توجهات تنسيق الفيديو والمحتوى المرئي تضخم بشكل طبيعي المحتوى المثير: حيث يتم تصميم الصور المصغرة والعناوين لتعظيم قوة الصدمة.
• أنظمة إيرادات الإعلانات تحفز النقرات على الجودة: فهي تدور حول المال وليس بالمعلومات.
هناك عاملان رئيسيان يدفعان هذا النمو المتزايد في تجنب الأخبار: التعب الإعلامي الناتج عن التعرض المستمر للمحتوى المزعج، ومستويات عالية من القلق بشأن الدقة. في جنوب أفريقيا، يقول 67% من الناس إنهم قلقون بشأن التمييز بين الأخبار الحقيقية والمزيفة.
عندما يتحول إغراء المشاهدات إلى إغراءٍ للغضب. آن لنا أن ننتبه.
في أسوأ حالاته، تطور إغراء النقر ليصبح إغراءً للغضب - أحد أكثر أشكال التواصل البشري تدميراً. لم يعد مجرد جذب الانتباه كافياً؛ بل نشهد الآن محاولاتٍ لجذب الانتباه من خلال مشاعر متطرفة كالكراهية والتحيز.
يكتسب إغراء الغضب زخماً متصاعداً في جنوب أفريقيا، وتأثيره آخذٌ في الازدياد، لا سيما في المحتوى السياسي والمحتوى الذي يحرّكه المؤثرون. حيث وجدت دراسةٌ أجراها معهد الدراسات الأمنية (ISS) عام 2025 أنّ شبكات المؤثرين السياسيين في جنوب أفريقيا استخدمت أساليب إغراء الغضب العابرة للحدود الوطنية خلال الانتخابات الوطنية عام 2024، بما في ذلك حملات مناهضة للجنة الانتخابية المستقلة (IEC) واستراتيجيات تلاعب عابرة للحدود. بالإضافة إلى ذلك، وصف تقريرٌ صادرٌ عن صحيفة "ميل آند غارديان" في يونيو 2025 إغراء الغضب بأنّه "اقتصادٌ خفي"، حيث يتم استغلال الغضب مالياً من خلال خوارزميات تعتمد على التفاعل.
لذلك بدأ النظام القانوني في جنوب أفريقيا يُراعي عواقب الإساءة الرقمية من خلال تشريعاتٍ مثل قانون الجرائم الإلكترونية وقانون حماية المعلومات الشخصية. ولكن في الوضع الراهن، لا يوجد تشريعٌ يُعالج بشكلٍ مباشر مسألة إثارة الغضب أو ما شابه. ولا توجد لوائح تُحاسب المنصات على تأثيرها على الصحة النفسية للناس والأضرار الاجتماعية التي تُسببها، أو على الربح غير الأخلاقي من خلال التسبب في الانقسام والضرر.
ومع ذلك، إذا فشلنا في معالجة المشكلة الأساسية، مثل عنوانٍ مُضلّل أو تقريرٍ إخباريٍ غير مُناسب، فمن غير المُرجّح أن نُعالج الوضع عندما يتفاقم إلى غضب.
الطريق إلى الأمام: ضرورةٌ مهنيةٌ جديدة للمتخصصين في الاتصال
دعوني أكرّر القول: لا يمكن للمتخصصين الجادين والمحترفين في مجال الاتصال بينناأن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يشاهدون العالم يتجاوزهم، فهم يحتاجون إلى (ويجب عليهم) تولي القيادة. هذه ليست مجرد مشكلةٍ إعلامية؛ إنها خطرٌ على السمعة يتطلّب أخذ زمام المبادرة. فإذا كنا مسؤولين عن إدارة الثقة والسمعة والوضوح الاستراتيجي، لا بد لنا من تنفيذ ضوابط داخلية وخارجية لنضمن لعملائنا تعاملنا باستمرار مع هذا التهديد.
يبدأ الأمر بالتفكير النقدي. ولكن في جوهره، هناك ثلاث قفزات نوعية حاسمة مطلوبة:
• وضع معايير على مستوى الصناعة: إنشاء شراكات رسمية مع المؤسسات الإعلامية من خلال اتفاقياتٍ حول معايير الدقة، وبروتوكولات التصحيح، وآليات الاستجابة السريعة لمعالجة المحتوى الجذاب فوراً.
• تطوير استراتيجياتٍ قوية للوسائل المملوكة: بناء استراتيجيات محتوى تستفيد من المنصات المملوكة لتوجيه الرسائل بشكلٍ مباشر، مما يقلل الاعتماد على وسائل الإعلام المكتسبة وحدها. وهذا يشمل الاستثمار في غرف الأخبار المؤسسية، ومنصات الريادة الفكرية، وقنوات التواصل المباشر مع الجمهور.
• تطبيق مراقبةٍ متقدمة: تحديث آليات إعداد التقارير لتحديد ومتابعة ومعالجة مخاوف المحتوى المثير للنقرات فوراً، بما في ذلك تحليل المشاعر، ومتابعة دقة العناوين، وبروتوكولات الاستجابة السريعة.
ونحتاج أيضاً إلى تدخلاتٍ تدريبية لغرف الأخبار التي يعمل فيها محررون أقل خبرة، وهذا يعني خلق الرغبة في الاستثمار في مستقبل الصحافة الجيدة بحد ذاتها.
لن نكون شهوداً صامتين: كيف ننتقل من فهم المشكلة إلى حلّها؟
يُدركُ المتواصلون البارعون أنّ دورهم يشمل الحفاظ على علاقاتٍ بناءة مع وسائل الإعلام، وإدارة آليات عالمٍ جديدٍ متطلّب. لكنّ الفهم وحده لا يكفي، بل يجب أن نتحرك.
هذا يعني تجاوز حوادث المحتوى المُضلل الفردي إلى بناء نهجٍ أكثر منهجية لا يحمي سمعة عملائنا فحسب، بل يُساعد أيضاً في استعادة مصداقية وسائل الإعلام. وبكلماتٍ أخرى: معركتنا ضدّ المحتوى المضلّل لا تتعلّق فقط بحماية السمعة الفردية – بل هي متعلقة بالحفاظ على نزاهة الخطاب العام نفسه. وباعتبارنا متواصلين محترفين، فإننا نملك المسؤولية والأدوات معاً لقيادة هذه المعركة. وبهذه الطريقة، لا يتعلق الأمر بما إذا كان ينبغي علينا التصرف، بل بما إذا كنا سنتصرف بسرعةٍ كافيةٍ لإحداث فرق.
المؤلّف داستن تشيك
داستن تشيك هو شريك في مجموعة The Up & Up (التابعة لمجموعة M&C Saatchi Group Plcفي أفريقيا) والرئيس التنفيذي لوكالة الاتصالات الاستراتيجية التابعة لها، Razor. يُعتبر أحد أبرز مديري السمعة ومتخصصي الاتصال على مستوى العالم، وقد تمّ اختياره كأفضل متخصصٍ في العلاقات العامة في جنوب أفريقيا لعام 2021 من قبل معهد العلاقات العامة في جنوب أفريقيا.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار