ما وراء السمعة: صعود فن إدارة الدولة عبر الأعمال
687 ما وراء السمعة: صعود فن إدارة الدولة عبر الأعمال
إنّ قائد الشؤون المؤسسية المستقبلي ليس مجرد متحدث أو مدير سمعة، بل هو قائدٌ ذو نفوذٍ على مستوى المؤسسة بأكملها.
بقلم بول باريت
لعقودٍ طويلة، أثبتت نماذج الشؤون المؤسسية والاتصالات نجاحها الباهر. فقد كنا ندير العلاقات ونحافظ على السمعة لدعم تراخيص العمل من خلال وظائف متخصصة متطورة باستمرار.
لكن؟ هذا النموذج صُمم لعالمٍ لم يعد موجوداً.
نهاية بيئة العمل القديمة
لأكثر من ثلاثين عاماً، استفاد الغرب مما يُسمى بـ "عائد السلام". تسارعت العولمة، وتحررت الأسواق، ورُوعي في سلاسل التوريد الكفاءة على حساب المرونة. لم تعد النقاشات في مجالس الإدارة خاضعةً للاعتبارات الجيوسياسية.
اليوم، ومع اشتداد المنافسة بين القوى العظمى، يتزايد ترابط الأمن الاقتصادي والوطني. وتتدخل الحكومات مجدداً بشكلٍ مباشر في الأسواق. ويُعدّ التحكم في التقنيات الحيوية، وأنظمة الطاقة، والبنية التحتية، وسلاسل التوريد، والموارد الاستراتيجية التي تدعمها، من محددات القوة الوطنية والعالمية. وتسعى الحكومات، بشكلٍ شبه عالمي، إلى إعادة تمويل الدفاع وإعادة بناء القدرات الصناعية السيادية، مثل بناء السفن.
في الوقت نفسه، يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل كيفية إنشاء المعلومات واكتشافها واستهلاكها. وقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ جذري العلاقة بين المؤسسات وأصحاب المصلحة. باتت الثقة في المؤسسات هشة في أحسن الأحوال، بينما بلغت توقعات قطاع الأعمال مستوياتٍ غير مسبوقة.
وإذا كانت الحدود التقليدية بين قطاع الأعمال والحكومة والمجتمع والتكنولوجيا قد تلاشت، فلماذا ما زلنا ننظم مهنتنا وكأنّ شيئاً لم يتغير؟
كل قائد هو قائد للشؤون المؤسسية
لقد بات من الواضح أنّ الافتراض القديم _ القائل إنّ وظيفة متخصصة واحدة يمكنها أن تضمن السمعة، وتدير العلاقات الرئيسية، وتحافظ على ترخيص التشغيل بالنيابة عن المؤسسة_ لم يعد صحيحاً. ذلك أنّ هذه المسؤوليات، في واقع اليوم، أصبحت موزعة على المؤسسة بأكملها.
فالثقة والمصداقية والتأثير لم تعد تُبنى - أو تُدمّر - من خلال فريقٍ واحد، بل من خلال العمل الجماعي. كل قائد يبني الثقة، وكل قرار يُشكّل السمعة، وكل فعل يؤثر في ترخيص التشغيل. وبذلك يصبح كل قائد، بصورةٍ أو بأخرى، قائداً للشؤون المؤسسية.
صاغ الجيش الأمريكي مصطلح VUCA (التقلب، وعدم اليقين، والتعقيد، والغموض) في أواخر الثمانينيات. لكن العالم الذي وصفه حينها يبدو _ قابلاً للإدارة نسبياً بالمقارنة مع عام ٢٠٢٦_ عاماً هادئاً نسبياً ومنظماً إلى حدٍ كبير.
أما اليوم تتداخل السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والمجتمع باستمرار، ويُضخّم كلٌ منها الآخر. فانهيار سلسلة التوريد يتحول إلى أزمة جيوسياسية، والتقدم التقني يخلق أزمات في السياسة العامة. وقضية محلية لأصحاب المصلحة تمتد آثارها إلى السمعة الدولية.
وكل ذلك يحدث بسرعة مذهلة.
هذا التسارع هو التهديد الحقيقي لمهنتنا.فإن واصلنا العمل وفق أساليب الماضي، سنجد أنفسنا هامشيين في القرارات الكبرى التي تحدد نجاح المؤسسة. أما إذا غيّرنا مسارنا (بسرعة وحسم)، فسنصبح في صلب تلك القرارات.
إنّ القدرات التي أمضينا عقوداً في صقلها - كفهم أصحاب المصلحة، وبناء الثقة، وتبنّي السرد، والاستخبارات القائمة على البيانات، والتوجيه المؤسسي، والمواءمة الاستراتيجية - لم تكن قط أكثر قيمةً مما هي عليه اليوم.
لكن السؤال ليس عن قيمة هذه القدرات، بل عن مكانها: لم يعد بالإمكان حصرها ضمن دائرة الاتصال أو الشؤون المؤسسية وحدها. فدورنا المستقبلي يتجاوز ذلك بكثير، ليصبح ضمان أن تشكّل اعتبارات أصحاب المصلحة كل جانب من جوانب عمل المؤسسة .
والواقع أنّ العديد من العلاقات النخبوية تُدار اليوم خارج أقسام الشؤون المؤسسية. الوزراء يطلبون الرؤساء التنفيذيين. والمستثمرون يتواصلون مع المديرين الماليين. والجهات التنظيمية تثق بالخبراء التقنيين.
علينا أن نُركّز على هذا الأمر ونُساعد المؤسسة بأكملها على المشاركة بفعالية أكبر. نحن عوامل مُحفّزة، ومستشارون، ومهندسون للمواءمة الاستراتيجية، نُرسّخ وعي أصحاب المصلحة ومشاركتهم في صميم المؤسسة.
ننتقل من إدارة أصحاب المصلحة نيابةً عن المؤسسة إلى دمج وعيهم في جميع جوانبها. من إدارة السمعة إلى تهيئة الظروف اللازمة للنجاح الاستراتيجي. من إيصال القرارات إلى ضمان نجاحها في عالمٍ يزداد فوضوية.
صعود فن إدارة الأعمال
هذا التطور هو ما يمكننا تسميته بـ"فن إدارة الدولة عبر الأعمال" – ذلك الفن الذي يهدف إلى تعزيز المصالح الوطنية عبر التأثير، والعلاقات، والاستخبارات، والتنسيق. ومع تلاشي الحدود التقليدية بين قطاع الأعمال، والحكومة، والمجتمع، لم يعد بإمكان المؤسسات أن تكتفي بفهم بيئتها فحسب، بل بات عليها أن تتقن فن التعامل معها، وأن تكون بارعة في تعزيز مصالحها وسط هذا التعقيد المتصاعد.
وهنا يأتي دور "فن إدارة الأعمال" الذي يُطبّق أفضل ما في الدبلوماسية وفن الحكم على المؤسسات الحديثة، مزوداً إياها بالأدوات التي تمكنها من الإبحار في بيئات متشابكة ومتغيرة باستمرار.
لقد كرستُ مسيرتي المهنية للعمل عند نقطة التقاء الأعمال، والحكومة، والرأي العام، وهو ما حملني من الإعلام الدولي إلى علوم الحياة العالمية والزراعة، وصولاً إلى بناء السفن في القطب الشمالي. تنقلت بين شركات كبرى مدرجة في البورصات العالمية، مثل "نوفارتيس"، وشركات سريعة النمو يقودها رواد أعمال، كشركتي الحالية "إينوسيا". ورغم الاختلاف الجذري في السياقات بين هذه التجارب، كانت الدروس المستفادة متسقة بشكل لافت.
فلطالما تفوقت المؤسسات التي استطاعت، بإبداع، أن توفق بين أهدافها التجارية، ومصالح أصحاب المصلحة، والأولويات العامة، والابتكار، والتميز التشغيلي. وفي عالم يزداد تعقيداً كل يوم، لم يعد هذا الوفاق ترفاً أو خياراً ثانوياً، بل تحول إلى ميزة تنافسية واضحة، وربما كانت الأهم على الإطلاق.
ما وراء السمعة
لعقودٍ طويلة، كانت السمعة تُشكّل الركيزة الأساسية في مهنتنا، ولا يجادل أحد في أنّ السمعة الطيبة تخلق قيمة حقيقية. لكنّ الخطأ الجوهري كان في اعتبارها غاية بحد ذاتها، في حين أنها في الحقيقة ليست سوى وسيلة.
فالمؤسسة لا تنجح لمجرد تمتعها بسمعة إيجابية، كما أن الشركة لا تحقق تحولاً جذرياً لمجرّد تفاعل إيجابي على منصات التواصل الاجتماعي. القيمة الحقيقية تُخلق عندما تتحول الثقة إلى نتائج ملموسة على الأرض، وعندما تتضافر جهود الحكومات، والهيئات التنظيمية، والمجتمعات، والمستثمرين، والموظفين، والشركاء جميعاً في سبيل تحقيق أهداف قابلة للتحقيق.
وهنا تبرز الفجوة التي يسعى مفهوم "فن إدارة الدولة عبر الأعمال" إلى سدّها. فهذا المفهوم، في جوهره، لا يقتصر على إشراك أصحاب المصلحة أو سرد القصص أو بناء العلاقات، بل يتجاوز ذلك ليجمع بين الفهم المؤسسي العميق من جهة، والانضباط التشغيلي والتنفيذ الفعال من جهة أخرى. هدفه ليس بناء الثقة فقط، بل تحقيق أفضل النتائج الممكنة في سياقات متزايدة التعقيد.
من هنا، فإنّ قائد الشؤون المؤسسية في المستقبل لم يعد مجرد متواصل بارع أو مدير ماهر للسمعة، بل أصبح قائداً مؤثراً على مستوى المؤسسة بأكملها. يتمثل دوره في ضمان أن تكون اعتبارات أصحاب المصلحة، وبناء الثقة، والمشاركة الاستراتيجية جزءاً لا يتجزأ من طريقة تفكير المؤسسة، وتصرفاتها، ومسار نجاحها.
وليست الغاية من ذلك تحميل مهنتنا مسؤولية كل تفاعل مع أصحاب المصلحة، بل الغاية الأسمى هي جعل مراعاة مصالحهم جزءاً من نسيج كل إجراء وكل قرار مهم. وهذه، بلا شك، مهمة مختلفة تماماً عما اعتدنا عليه.
وأعتقد أننا نعيش بالفعل عصر "فن إدارة الدولة عبر الأعمال". والسؤال المحوري الذي يواجهنا اليوم ليس ما إذا كان هذا العصر قادماً، بل: هل ستقود مهنتنا هذا التحول الكبير، أم سيُفرض علينا فرضاً؟
المؤلّفبول باريت
أمضى بول باريت ثلاثين عاماً في مجال الأعمال والحكومة والرأي العام، متنقلاً بين مختلف القطاعات والبلدان والثقافات. وقد شغل مناصب قيادية في شركات عالمية مدرجة في البورصة، ويشغل اليوم منصب الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في شركة ديفي وإينوسيا Davie and Inocea، وهي مجموعة مملوكة لرواد الأعمال وتُعد رائدة عالمياً في تصميم وبناء السفن المعقدة في القطب الشمالي.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
https://www.ipra.org/news/itle/itl-687-beyond-reputation-the-rise-of-business-statecraft/
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار