السمعة العامة: ثقةٌ تتجاوز الرسائل

السمعة العامة: ثقةٌ تتجاوز الرسائل

تواجه العلاقات العامة لحظة إعادة ضبط في وقتٍ باتت فيه السمعة العامة تُحدد الثقة والشرعية.

بقلم آلان غروسباردAlain Grossbard

لم تعد العلاقات العامة تعمل وفق ظروفٍ مستقرة. فالمناهج السابقة اعتمدت على التحكم في الرسائل، وروايات العلامات التجارية، ودورات الحملات المخططة. افترضت تلك المناهج أنّ الانطباع يتبع التعرض للمعلومات. لكنّ ثقة الجمهور لم تعد تتشكل بهذه الطريقة. فالحكم الآن يتطور من خلال السلوك الملحوظ، وعملية صنع القرار، ونتائج التنفيذ. والأنظمة الرقمية تكشف عن السلوك باستمرار. لذلك يجب على المؤسسات في مختلف القطاعات إعادة النظر في كيفية إدارة السمعة والثقة.

تقيّم الجهات صاحبة المصلحة المؤسسات من خلال التواصل الرقمي المستمر. حيث تكشف منصات التواصل الاجتماعي، ونتائج البحث، والتعليقات عبر الإنترنت عن إجراءات القيادة، وجودة الحوكمة، والمعايير الأخلاقية، والأداء التشغيلي. وفي المقابل، يقارن الجمهور التصريحات بالنتائج. إذ إنّ الرسائل وحدها ذات تأثيرٍ محدود، بينما يشكّل السلوك المتسق المصداقية أكثر من الترويج. وهذا الواقع تواجهه الشركات والجامعات والجمعيات الخيرية والحكومات ومنظمات المجتمع المدني على حدٍ سواء. اشتد التدقيق. كما أنّ التوقعات بشأن الشفافية تستمر في الارتفاع.

يُسرّع الذكاء الاصطناعي هذا التغيير، حيث تجمع أنظمته المعلومات وتحللها وتصنفها على نطاقٍ واسع، فتُكتشف الأنماط عبر سجلات الحوكمة، ومؤشرات الخبرة، وممارسات المساءلة، والسلوك التاريخي. ونتيجةً لذلك، تعتمد السلطة الآن على مؤشرات المصداقية لا على نطاق التواصل، كما يَضعُف التحكم السردي متى تعارض سلوك المؤسسة مع قيمها المعلنة. وفي المقابل، تُكافئ أنظمة البحث والتوصيات الاتساق والتحقق. لذا، لا بدّ للعلاقات العامة من الاستجابة بتحويل التركيز من صياغة الرسائل إلى التوافق السلوكي.

السلوك التنظيمي

يوفر مفهوم السمعة العامة إطاراً ملائماً لهذا السياق. إذ يضع الثقة والمصداقية والسلطة كنتائج أساسية للسلوك التنظيمي. ويربط هذا الإطار بين السلوك والأداء والتواصل في بنيةٍ واحدة، مُحوّلاً التركيز من مقاييس الإدراك إلى الأدلة. وتُقيّم الجهات صاحبة المصلحة المؤسسات بناءً على الإجراءات المتخذة، والنتائج المُحققة، والاتساق المُثبت مع مرور الوقت. وتتطور السمعة من خلال السلوك لا من خلال الظهور الإعلامي.

ركزت نماذج السمعة السابقة على الوعي وإدارة الصورة وتتبع المشاعر. وشكّلت التغطية الإعلامية ومقاييس التفاعل ومؤشرات التقدير عملية التقييم. ولا تزال هذه المقاييس تُقدم رؤى قيّمة، لكنها لا تُفسر الثقة الدائمة. لذلك، يُقدم مفهوم السمعة العامة التحقق كمبدأ أساسي. وتستند المصداقية إلى بيانات الأداء والقيادة الأخلاقية والموثوقية المؤسسية. ويتماشى هذا النهج مع الدراسات القائمة حول الشرعية وتكوين الثقة والسلطة.

وعليه تنشأ الحاجة المُلحة من ثلاثة ضغوط:

أولاً، تؤثر الوساطة الخوارزمية على مستوى الظهور. إذ تُكافئ المنصات الرقمية الموثوقية وتُعاقب عدم الاتساق. وتفقد المؤسسات التي لا تتوافق مع ادعاءاتها العامة سلطتها.

ثانياً، يتزايد ارتياب الجمهور باستمرار، وتتراجع الثقة بالمؤسسات في مختلف المناطق. ويتوقع الجمهور أدلةً قبل منح ثقته.

ثالثاً، تتفاقم مخاطر السمعة، إذ تُحفظ القرارات في السجلات الرقمية إلى أجلٍ غير مسمى، وتظهر الفجوات بين القيم والسلوك بسرعة وتنتشر على نطاقٍ واسع.

هكذا تستجيب السمعة العامة من خلال التوافق، حيث يدعم التواصل السلوك المُثبت، وتعكس لغة القيادة الواقع العملي، وتعزز الحوكمة المعايير الأخلاقية. ويعزز التوافق في هذه المجالات صمود الثقة، ويقلل من عدم استقرار السمعة.

حان وقت التكيف

يجب على الممارسات المهنية أن تُكيّف نفسها، إذ تتحول الاستراتيجيات من حملاتٍ قصيرة الأجل إلى إدارة سمعةٍ طويلة الأمد. ولذلك، يتتبع الممارسون مؤشراتٍ سلوكية مثل جودة الخدمة، وثقة أصحاب المصلحة، وأداء الحوكمة. كما يتوسع نطاق التقييم ليشمل، بالإضافة إلى مقاييس التفاعل، مؤشرات المصداقية، ومنها: التحقق من قبل الخبراء، والشراكات المؤسسية، واتساق الأداء. وبالتالي، يتولى متخصصو العلاقات العامة أدواراً استشارية تركز على السلوك، والمخاطر، وحوكمة الثقة، حيث يزداد النفوذ الاستراتيجي كلما اتسع نطاق المسؤولية.

كذلك يتطلب التعليم تغييراً مماثلاً، فالعديد من البرامج تُعطي أولويةً لتنفيذ الحملات، والعلاقات الإعلامية، وإنشاء المحتوى. ورغم أنّ هذه المهارات تظل مهمة، إلا أنها تحتاج إلى أن تُدمج مع الأخلاقيات، والحوكمة، والمساءلة. فمن الضروري أن يفهم الممارسون المستقبليون كيفية تشكيل السلوك للظهور الرقمي وبناء الثقة، كما ينبغي على الجامعات دمج أُطر السمعة العامة في برامج تعليم الاتصال والقيادة. إضافةً إلى إجراء دراساتٍ تبحث في الاختلافات القطاعية، وتطور مؤشراتٍ ملائمةً للبيئات التي تُدار بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وتعكس السمعة العامة عملية بناء الثقة المعاصرة، فـالسلوك يتفوق على الرسائل، والأدلة تتفوق على الادعاءات. كما تُعزز أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه الديناميكيات من خلال التصنيف القائم على المصداقية. لذا، يجب على المؤسسات في مختلف القطاعات أن تتكيف للحفاظ على سلطتها وثقة الجمهور، كما ينبغي على العلاقات العامة إعادة صياغة استراتيجيتها لترتكز على بناء الثقة، ومواءمة السلوك، والتواصل القائم على الأدلة.

وتحتاج المؤسسات إلى اتخاذ إجراءاتٍ عملية لبناء سمعةٍ طيبة لدى الجمهور والحفاظ على ثقته، وذلك من خلال البدء بمراجعةٍ شاملةٍ للسمعة، حيث يُدوّن الممارسون الوعود التي قطعتها المؤسسات عبر مواقعها الإلكترونية، وتقاريرها، وإعلاناتها، ورسائلها الرسمية. ثم يُقارَن كلُّ وعدٍ ببيانات الأداء الموثقة، وبعدها تُحدَد الثغرات، وتُحدد المسؤوليات اللازمة لمعالجتها ضمن إطارٍ زمنيٍ محدد.

الشفافية أساسية

تبنّى نهجاً للشفافية. وانشر مؤشرات الأداء بانتظام. شارك معايير الخدمة، وأوقات الاستجابة، والتقدم المحرَز في الوفاء بالالتزامات المعلنة. قدّم لوحات معلوماتٍ بسيطة تعرض النتائج بمرور الوقت. فإعداد التقارير الدورية يعزز الثقة ويحدّ من الشكوك.

عزّز هياكل الحوكمة. وشكّل لجنةً للثقة والأخلاقيات تجتمع كلّ ثلاثة أشهر. اجعل هذه اللجنة مكونةً من قادةٍ في مجالات العمليات والشؤون القانونية والاتصالات والإدارة. ادرس الشكاوى، وتحديثات المخاطر، وآراء الجهات صاحبة المصلحة. كذلك حدّد الأنماط واعتمد الإجراءات التصحيحية.

عزّز الاستماع إلى أصحاب المصلحة. وأنشئ قنواتٍ رسمية لتلقي الملاحظات، مثل الاستبيانات، واللجان الاستشارية، والمنتديات المجتمعية. حدّد أهدافاً للاستجابة للاستفسارات والشكاوى. انشر كيف أثّرت الملاحظات على القرارات. فالثقة تنمو عندما يرى أصحاب المصلحة إجراءاتٍ ملموسة.

تأكد من أنّ سلوك الموظفين يعكس الالتزامات المعلنة. قدّم تدريباً على الأخلاقيات، ومعايير الخدمة، وتوقعات التواصل. اربط تقييمات الأداء بمقاييس السلوك وجودة الخدمة. فالسلوك الداخلي يشكّل التصور العام.

احتفظ بدليلٍ لكلّ ادعاءٍ علني. فرسائل الاستدامة تتطلب بياناتٍ موثقة. وأهداف التنوع تتطلب مقاييس للقوى العاملة. والبرامج المجتمعية تتطلب أثراً قابلاً للقياس. قم بتخزين الأدلة في نظامٍ مشترك لأغراض الإبلاغ والتحقق.

الاستعداد للأزمات

يجب التأهب للأزمات المحتملة، وذلك من خلال وضع إجراءات استجابةٍ مبنيةٍ على المخاطر المعروفة والحوادث السابقة. كما ينبغي إجراء محاكاةٍ مع فرق القيادة، ثم مراجعة سرعة القرارات ووضوحها ومساءلتها، إذ إنّ الاستعداد الجيد يُقلل من الارتباك أثناء الأحداث الحقيقية.

إضافةً إلى ذلك، يُنصح ببناء شراكاتٍ مع منظماتٍ موثوقة، حيث تعزز جهات الاعتماد والشركاء الأكاديميون والخبراء المستقلون المصداقية. فالدعم من خلال التحقق الخارجي يُقويها ويُرسخها.

كما تتطلب إدارة السمعة مراقبةً مستمرةً للتقدم، لذا يُنصح بمراجعة مؤشرات السمعة شهرياً، مع تعديل الإجراءات بناءً على النتائج، وبذلك يدعم السلوك المتسق، والشفافية في الإبلاغ، والإنصات الفعال بناء علاقاتٍ قوية وثقةً دائمة.

إجمالاً، تُظهر السمعة العامة الثقة كنتيجةٍ للسلوك الثابت، والحوكمة الشفافة، والأداء المُثبت على مرّ الزمن. فالظهور الرقمي وتقييم الذكاء الاصطناعي يُفضلان المنظمات التي تتوافق أفعالها مع التزاماتها، بينما تعتمد المصداقية الدائمة على الأدلة، والمسؤولية، والإنصات المستمر. ولذلك، فإن المنظمات التي تتبنى هذه الممارسات تبني شرعيةً لها، وتُقلل المخاطر، وتحافظ على علاقاتٍ قوية مع أصحاب المصلحة.

المؤلّفآلان غروسبارد

آلان غروسبارد الحاصل على وسام أستراليا هو عضو في مجلس إدارة الجمعية الدولية للعلاقات العامة "إيبرا"، ومدرس في جامعة RMIT.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-670-public-reputation-trust-beyond-messaging/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org