قوة المصداقية: من يحافظ على نفوذه في عصر انعدام الثقة في وسائل الإعلام؟

674 قوة المصداقية: من يحافظ على نفوذه في عصر انعدام الثقة في وسائل الإعلام؟

بات من الشائع بشكلٍ متزايد رؤية المؤثرين في مجال التكنولوجيا يشغلون أدواراً متعددة ضمن منظومة الإعلام.

بقلم ريبيكا دونيليRebecca Donnelly

عندما أنشأت صحيفة "برس غازيت" مؤخراً "سجل خزي العلاقات العامة" لخبراء مزيفين قدموا تعليقات لوسائل الإعلام البريطانية رغم عدم وجودهم في الواقع، لم يعكس ذلك سوى مشهدٍ إعلاميٍ تعتريه الثقة المعدومة. وفي الوقت نفسه، اضطرت مجلة "وايرد" إلى إصدار بيان في العام الماضي، بعد أن جرى الكشف عن نشرها مقالات غير دقيقة كتبها كاتب مستقل تم إنشاؤه بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وهي أحداث مجتمعة تسلط الضوء على مشكلةٍ متفاقمة يجد فيها الجمهور صعوبةً متزايدة في معرفة من يثقون به، وبماذا يثقون بالضبط. ففي بيئةٍ تنتشر فيها المعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، والدعاية المولدة بالذكاء الاصطناعي بسرعةٍ فائقة، حتى إنّ أكثر الأصوات مصداقية وموثوقية قد تتعثر، لم يعد ممكناً ضمان السلطة أو الهيبة لأي جهة. وهذا أحد الأسباب التي تجعل الثقة، والشفافية، والأصالة في صميم قدرة الأفراد والمؤسسات على التأثير اليوم.

جمهور اليوم مطلعٌ ومتشكك؛ ولا بدّ من كسب ثقته بتقديم مؤهلاتٍ موثقة، وسجلٍ حافل من الإنجازات. إذ يميل القارئ إلى تصديق صحفيٍ يعرفه من منشوراته على وسائل التواصل، وقد رآه يتحدث في بودكاست مصور. وكذلك الأمر بالنسبة للشركات: عليها أن تخترق ضجيج وسائل الإعلام بقصصٍ جديرة بالتصديق، ويكون ذلك أكثر فاعلية حين تقوده شخصيةٌ تنفيذية بارزة بنَت سمعةً متسقة عبر قنواتٍ متعددة.

هناك أيضاً تقاربٌ في الأدوار، إذ يتحول الصحفيون إلى خبراء متخصصين، ويتحول قادة الأعمال إلى منتجين للمحتوى الإعلامي. ويتجلى هذا بشكلٍ خاص في قطاع التكنولوجيا، حيث يساهم كبار المسؤولين التنفيذيين من شركاتٍ عالمية مثل مارك زوكربيرج وجينسن هوانغ، بشكلٍ متزايد، في تشكيل النقاش الدائر في أوروبا، إلى جانب الصحفيين، وصناع السياسات، وغيرهم من الأصوات المؤثرة.

مشهد التأثير المتغير: المؤثر متعددُ المواهب

في قائمة "تايتو" لأكثر خمسمئة شخصية مؤثرة في عالم التكنولوجيا، والتي تعتمد على البيانات، وتصنف الشخصيات الأكثر تأثيراً في قطاعات الأعمال والإعلام والحكومة والأوساط الأكاديمية في جميع أنحاء أوروبا، برز اتجاهٌ جديد: المؤثر متعدد المواهب.

يشير مصطلح "المؤثر متعدد المواهب" إلى الشخص الذي يُؤثر في المشهد التكنولوجي عبر قنواتٍ متعددة. قد يكون صحفياً يُنتج بودكاست خاصاً به، ويدير في الوقت نفسه قاعدةً جماهيرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. أو ربما يكون رئيساً تنفيذياً لشركةٍ تقنية ينشر مدونة ونشرةً إخبارية، أو أكاديمياً يُنتج محتوى على يوتيوب. لا يُعرّف هؤلاء المؤثرون متعددو المواهب بقناتهم الإعلامية أو شركاتهم، بل يستمدون تأثيرهم من شخصياتهم كعلاماتٍ تجارية، حيث يبنون سلطةً تتجاوز أي منصةٍ أو دورٍ محدد.

ومن الشائع بشكلٍ متزايد رؤية المؤثرين في مجال التكنولوجيا يشغلون أدواراً متعددة ضمن منظومة الإعلام. حيث كشفت دراسةٌ أجرتها شركة تايتو أنّ اثنين وسبعين بالمئة (٧٢%) من المؤثرين يديرون مدونة أو نشرة إخبارية أو بودكاست أو قناة على يوتيوب، وأنّ ستة وعشرين بالمئة (٢٦%) منهم ينشطون عبر منصتين أو أكثر. كما تحظى النشرات الإخبارية بشعبيةٍ خاصة. ففي قائمة التأثير التكنولوجي العالمية "تيك 500"، وجدنا أنّ أكثر من نصف الصحفيين ونحو واحد من كل خمسة قادة أعمال ينشرون نشراتٍ إخبارية، إما بشكلٍ مستقل أو من خلال مؤسساتهم.

وبعد أن كان تأثير قطاع التكنولوجيا يتركز سابقاً في وسائل الإعلام التقليدية وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبح المؤثرون متعددو المواهب اليوم يبنون علاماتٍ تجارية شخصية تنافس وسائل الإعلام الراسخة من حيث الانتشار والتأثير. وفي الوقت نفسه، أصبح التواجد الإعلامي القوي (عبر وسائل الإعلام التقليدية وشبكات التواصل الاجتماعي) رصيداً تجارياً هاماً لرواد الأعمال والرؤساء التنفيذيين. فالعملاء والمستثمرون وغيرهم من أصحاب المصلحة يثقون في قائد الأعمال ذي الحضور الإعلامي البارز؛ إذ يُشكّل صوته الشخصي سمعة شركته ويؤثر بشكلٍ مباشر على نجاحها التجاري.

المشهد المتغير للتأثير: التأثير بلا حدود

جعلت المنصات الرقمية التأثير أكثر عولمة وتجاوزاً للحدود. فهو لم يعد يقف عند الحواجز الجغرافية، بل أصبح أكثر سيولة، وانتشاراً، ولا يمكن التنبؤ به.

يتجلى هذا بوضوح في النقاشات التقنية باللغة الإنجليزية، حيث تشكل الأصوات المؤثرة في أوروبا الحوار في الولايات المتحدة والعكس صحيح. في الواقع، يتضمن أحدث تصنيف لـ "تيك 500" تصنيفاً منفصلاً لأهم مئة شخصية مؤثرة عالمياً في مجال التكنولوجيا، والذين تمتد سلطتهم المباشرة إلى الأسواق الأوروبية، حيث يوجد ثمانية وسبعون بالمئة (٧٨%) من أبرز هذه الشخصيات في الولايات المتحدة.

يأتي أفراد مثل إيلون ماسك وسام ألتمان ضمن أبرز الأصوات العالمية في مجال التكنولوجيا. وهذه الشخصيات هي نموذجٌ مثالي على ظاهرة "المؤثر متعدد المواهب"، حيث يبنون علاماتٍ تجارية شخصية تمتد إلى أبعد بكثير من الشركات التي يقودونها. فهم يشكلون النقاشات من خلال التغطية الإعلامية، والمنصات الاجتماعية، والفعاليات الصناعية، وغير ذلك، ويمتد تأثيرهم عميقاً داخل النقاشات السياسية في أوروبا، وقراراتها الاستثمارية، وتبنيها للتكنولوجيا على كل المستويات.

في حين أنّ صدارة قائمة التأثير التكنولوجي العالمية "تيك 500" تعكس هيمنة شركات التكنولوجيا الأمريكية، إلا أنّ مراكز دولية أخرى تظهر أيضاً، مما يؤكد مدى عالمية مشهد التأثير التكنولوجي.

دور الصحفي المتغير

مع تراجع دور وسائل الإعلام كمصدرٍ رئيسيٍ للأخبار والتحليلات، اضطر الصحفيون إلى التكيف. حيث يعكس الصحفي متعدد المواهب تحولاً أوسع في كيفية استهلاك الناس للمعلومات وفيمن يثقون به.

يتضح هذا جلياً مع ظهور الذكاء الاصطناعي، الذي يُنتج كمياتٍ هائلة من المحتوى غير الموثوق الذي يتعين على المستهلكين غربلته. ووسط كلّ هذا الكم الهائل من المعلومات، يبحث المستهلكون عن أشخاصٍ جديرين بالثقة، مما يُرسخ أهمية بناء الصحفيين لعلامتهم التجارية الشخصية.

لهذا السبب، ينشر واحدٌ وخمسون بالمئة (٥١%) من الصحفيين نشراتهم الإخبارية الخاصة، ويكتب خمسةٌ وعشرون بالمئة (٢٥%) مدونات، ويدير ستةَ عشر بالمئة (١٦%) قنواتٍ على يوتيوب، ويُقدم أحَدَ عشر بالمئة (١١%) بودكاست. مع كل نقطة تواصلٍ إضافية، يُشارك الصحفيون المزيد من علامتهم التجارية الشخصية مع جمهورهم. كما يستجيب الكثير منهم للضغوط التجارية لزيادة التفاعل، إلى جانب الحاجة إلى بناء الثقة من خلال الظهور الشخصي. ويصاحب ذلك ضغطاً متزايداً لإنتاج تدفقاتٍ مستمرة من محتوى الوسائط المتعددة، لذا فإن الوقت ضيق أمام الصحفيين في عام ٢٠٢٦.

تُعدّ هذه جميعها اعتباراتٍ مهمة لقادة الاتصالات عند التفكير في كيفية بناء وتعزيز النفوذ الإعلامي لمؤسساتهم. لقد تغيرت قواعد التعامل المجربة والمختبرة لأنّ دور الصحافة قد تغير، وكذلك تغير من يندرج تحت مسمى "الصحفي".

لماذا يُعدّ هذا الأمر مهماً لمتخصصي العلاقات العامة؟

بالنسبة لقادة الاتصال، فإنّ المغزى واضح. مفاده وجوب أن تتطور استراتيجيات التفاعل جنباً إلى جنب مع الأشخاص الذين يشكلون النقاش.

فلم يعد الترويج الصحفي مقتصراً على غرفة الأخبار، بل يتعين على فرق العلاقات العامة أن تنظر في كيفية تنقّل القصص عبر النشرات الإخبارية، والبودكاست، ولينكد إن، والتنسيقات الحية في وقتٍ واحد. ورغم أنّ الحملات تتطلب نهجاً أكثر دقة، إلا أنه بمجرد إدراك هذا التحول، تصبح فرصة 'سرد القصص بمصداقية' أكبرَ من أيّ وقتٍ مضى.

وهكذا، فباستطاعة متخصصي العلاقات العامة، عبر توسيع خريطة أصحاب المصلحة إلى ما هو أبعد من وسائل الإعلام، والعمل مع المؤثرين متعددي المواهب، نشر قصة عميلهم من خلال منصةٍ تتميز بالعمق، وتقودها الشخصية، وتحظى بثقة جمهور اليوم.

غير أنّ هناك عدة تغييراتٍ عملية يمكن لفرق العلاقات العامة أن تتبناها. فعلى سبيل المثال، عند تطوير المحتوى، يجب التفكير في كيفية استخدام الأصول لنقل رسالةٍ متسقة عبر قنواتٍ متعددة. وذلك لأنّ صانعي المحتوى والصحفيين لديهم وقتٌ محدود، لذا من المهم تقديم قيمةٍ ملموسةٍ بسرعة.

من ناحيةٍ أخرى، وبما أنّ النفوذ يتدفق عبر الحدود الجغرافية، فإنه يتعين على فرق العلاقات العامة أن تفكر عالمياً ومحلياً في آنٍ واحد. فالعمل مع صحفيين ومؤثرين وأكاديميين أو شخصياتٍ عامة أخرى خارج سوقهم لا يزال بإمكانه أن يولّد تأثيراً في الداخل. وعلاوةً على ذلك، من المهم أيضاً مراقبة الحوارات التي يجريها المؤثرون العالميون في أسواقٍ أخرى والاستفادة منها، لأنها ستؤثر حتماً على النقاشات المحلية.

كما يجب على متخصصي العلاقات العامة أيضاً مساعدة المسؤولين التنفيذيين في بناء حضورٍ شخصيٍ موثوق ومتعدد القنوات، إذ أنّ الجماهير تبحث بشكلٍ متزايدٍ عن محتوى يقدمه أفرادٌ لهم حضورٌ شخصي، وليس فقط عن محتوى تقدمه المؤسسات. وبناءً عليه، فإنّ إبراز قادة الفكر داخل الشركة ودعم حضورهم عبر مختلف التنسيقات أصبح الآن جزءاً أساسياً من بناء النفوذ.

وفي الختام، لا شك أنّ النفوذ في منظومة التكنولوجيا في أوروبا أصبح أكثر تعقيداً، وأكثر تخصيصاً، وأكثر تجاوزاً للحدود. ومن ثم، يكمن التحدي أمام قادة الاتصال في بناء حملاتٍ قابلةٍ للتوسع عبر الأسواق والقنوات، مع بقائها راسخةً في المصداقية لدى الجماهير الأكثر أهمية.

المؤلّفةريبيكا دونيلي

ريبيكا دونيلي، المديرة الإدارية لخدمات العملاء في شركة تايتو.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-674-the-power-of-credibility-who-maintains-influence-in-an-era-of-media-distrust/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org