التحول الكبير: مستقبل العلاقات العامة سيُكتب في الأسواق الناشئة
675 التحول الكبير: مستقبل العلاقات العامة سيُكتب في الأسواق الناشئة
لا يزال نموذج العلاقات العامة الذي تشكل وفقاً لافتراضاتٍ غربية يتعرض للتغيير الجذري.
بقلم راميا تشاندراسيكارانRamya Chandrasekaran
لعقودٍ طويلة، تأثرت صناعة العلاقات العامة العالمية بالمفاهيم الغربية حول كيفية بناء الثقة، واكتساب النفوذ، وانتقال الروايات عبر الحدود. غير أنّ هذا النموذج يشهد اليوم تحولاً جذرياً، وإن كان هادئاً. والأهم من ذلك، أنّ هذا التحول لا يحدث في نيويورك أو لندن، بل في لاغوس، جاكرتا، مومباي، وأكرا، حيث تختلف قواعد العمل، وتزداد مصادر الثقة تعقيداً، وتصبح مسارات النفوذ أقل قابليةً للتنبؤ. وعليه، فإنّ مستقبل العلاقات العامة لا يُصدَّر إلى هذه الأسواق، بل تُعاد صياغة قواعده فيها.
ففي العديد من هذه الأسواق، لا تتدفق الاتصالات عبر القنوات المؤسسية المنظمة التي لطالما ميزت هذه المهنة؛ إذ تنتقل بدلاً من ذلك عبر المجتمعات، والشبكات غير الرسمية، والروايات المتأصلة ثقافياً، والتي يصعب توحيدها أو توسيع نطاقها. فالثقة، على سبيل المثال، غالباً ما تكون أقلّ ارتباطاً بالمصداقية المؤسسية وأكثر ارتباطاً بالتأييد الجماعي. كما أنّ النفوذ لا يتوسَّط دائماً عبر وسائل الإعلام الرئيسية، بل من خلال المبدعين، والمجتمعات، والشبكات المغلقة. ونادراً ما تكون رواية القصص عالمية؛ لأنها تتشكل وفقاً للسياق والثقافة والتجربة المعيشية. ومن ثم، فإنّ هذه الممارسات ليست انحرافات عن "المعيار العالمي"، بل هي مؤشراتٌ على تحولٍ أوسع يتحدى بعضاً من أكثر الافتراضات رسوخاً في العلاقات العامة.
دليل العلاقات العامة التقليدي (وافتراضاته)
لطالما استندت برامج العلاقات العامة التقليدية إلى مجموعةٍ من الافتراضات الثابتة نسبياً حول آلية عمل التواصل. فكان يُنظر إلى التأثير على أنه يتدفق عبر مؤسسات مثل وسائل الإعلام الرئيسية، والمنصات الراسخة، والهيئات المعترف بها والتي تعمل كحراسٍ للمصداقية. في المقابل، كان دور مسؤول التواصل يقتصر على صياغة رسائل واضحة ومتسقة ووضعها ضمن هذه القنوات الموثوقة. ولهذا السبب، كانت التغطية الإعلامية المكتسبة هي المعيار الذهبي، إذ صُممت الحملات العالمية لتكون واسعة النطاق ومتسقة، وغالباً ما كان يُقاس النجاح بمدى الظهور ضمن هذه الأنظمة الراسخة للتأثير.
إضافةً إلى ذلك، كانت ثلاثة معتقداتٍ ضمنية وراء كل هذا: أنّ الثقة متجذرة في المؤسسات، وأنّ التأثير مركزيٌ إلى حدٍ كبير، وأنّ الرسائل المصاغة جيداً يمكن أن تنتقل سليمة نسبياً عبر الأسواق. والحقيقة أنّ هذه الافتراضات لم تُشكل الحملات فحسب، بل شكلت أيضاً طريقة تدريس المهنة وممارستها وتقييمها. قد يقول النقاد إنّ الاتساق يضمن التعرف على العلامة التجارية؛ ولكن في عالمٍ يطالب فيه الجمهور بالمعلومات ذات الصلة، ليس الاتساق بدون سياق إلا ضجيجاً. في الواقع، ما تكشفه الأسواق الناشئة ليس خروجاً عن المألوف، بل صورة أكثر تعقيداً، وأكثر دقة في كثيرٍ من النواحي، لكيفية عمل التواصل فعلياً.
ففي هذه السياقات، غالباً ما تكون الثقة جماعية وليست مؤسسية، إذ تتشكل داخل المجتمعات، وتتعزز من خلال التجارب المشتركة، وتؤكدها شبكات الأقران لا السلطات البعيدة. ففي أجزاء من غرب أفريقيا، على سبيل المثال، غالباً ما تستند المصداقية إلى التأييد الجماعي، بمعنى أنّ الموثوق به هو ما يُنظر إليه على أنه مقبول من قِبل المجموعة. وبالمثل، في معظم أنحاء جنوب وجنوب شرق آسيا، يحظى الدليل الاجتماعي بنفس أهمية الشهادات الرسمية. ومن هنا، في هذه البيئات، لا تُمنح الثقة تلقائياً، بل يتم التفاوض عليها باستمرار وبشكلٍ جماعي.
لم يعد النفوذ مركزياً، فهو لا ينتقل عبر صفحات الصحف أو برامج القنوات التلفزيونية، بل ينتقل عبر المبدعين، والمجتمعات الصغيرة، والأنظمة المغلقة، وخاصةً منصات المراسلة حيث تكون المحادثات أكثر حميمية وفورية وموثوقية. قد تكون هذه الشبكات غير مرئية للقياسات التقليدية، لكنّ قوتها لا تُنكر. وعلاوةً على ذلك، في العديد من الأسواق الناشئة، لا يُعدّ التميز خياراً إبداعياً، بل استراتيجية للبقاء، فالانتباه مشتت، والمنافسة شرسة، والجمهور شديد التمييز. بناءً عليه، لا يمكن للتواصل أن يعتمد على عبارات نمطية للغرض أو "أصالة" مصطنعة، بل يجب أن يبذل جهداً أكبر وأن يُحدث صدىً لدى الجمهور.
وربما الأهم من ذلك، أنّ الثقافة ليست مجرد طبقة تُضاف إلى التواصل؛ بل هي النظام الذي يُفهم من خلاله التواصل. فما يُلاقي صدىً في سوقٍ ما قد لا يُجدي نفعاً، أو حتى يفشل، في سوقٍ آخر، ذلك أنّ محاولات توحيد الرسائل بين المناطق غالباً ما تُقلّل من شأن عمق الفروق الثقافية الدقيقة التي تُشكّل كيفية استقبال القصص وتفسيرها ومشاركتها. الخلاصة أنّ الثقافة ليست متغيراً يمكن التحكم به، بل هي النظام التشغيلي للتواصل. وبناءً على ذلك، تشير هذه التحولات مجتمعةً إلى ما هو أبعد من مجرد اختلافٍ إقليمي، إذ إنها تُشير إلى تغييرٍ هيكلي في كيفية بناء الثقة، وكيفية انتقال النفوذ، وكيفية إحداث التواصل للأثر.
ميزة الإبداع: لماذا تتفوق الأسواق الناشئة على الحملات العالمية "الآمنة"؟
يتجلى هذا التحول بوضوح في نوعية سرد القصص التي تجذب الانتباه، ففي الأسواق الناشئة، لا يمكن تجاهل العلامات التجارية، لأن الانتباه مشتت، والمنافسة شرسة، والجمهور مدرك. ويترتب على ذلك أنّ التواصل الفعّال لا يمكن أن يكون نمطياً أو معتمداً على "أصالة" مصطنعة، بل يجب أن يكون شيقاً حقاً وأكثر تأثيراً. في هذا السياق، يتزايد تأثير هذه الديناميكية نفسها على كيفية عمل العلامات التجارية العالمية الأكثر نجاحاً.
فعلى سبيل المثال، بنت دولينغو "Duolingo" حضوراً عالمياً قوياً ليس من خلال الحملات النمطية، بل من خلال سرد قصص متكيف ثقافياً ومصمم خصيصاً للمنصة. وصحيحٌ أنّ صوت العلامة التجارية الجريء يظل ثابتاً، لكنّ تعبيره يختلف اختلافاً كبيراً بين الأسواق، متأثراً بالفكاهة المحلية واللغة وثقافة الإنترنت. وبهذه الطريقة، بدلاً من الترويج لروايةٍ واحدة، تُشارك العلامة التجارية في البيئات التي يتواجد فيها جمهورها، مما يسمح لمحتواها بالتطور بشكلٍ طبيعي ضمن سياقاتٍ ثقافية مختلفة.
حتى الحملات العالمية المعروفة تعتمد على هذا المبدأ، فغالباً ما يُنظر إلى حملة "شارك كوكاكولا" على أنها مثالٌ ناجح للتخصيص. إلا أنّ سر نجاحها يكمن في اختلاف أساليب التعبير عن هذا التخصيص بين الأسواق: فالأسماء الأولى تُستخدم في أستراليا، والألقاب في الصين، والأسماء ذات الدلالة الثقافية في الشرق الأوسط. وهكذا، نجحت الحملة لأنها، بدلاً من محاولة توحيد الرسالة عالمياً، ركزت على إعادة صياغة الرسالة وطريقة إيصالها بما يتناسب مع كلّ سوق.
في الوقت نفسه، لا تزال بعض الأمثلة الأكثر إقناعاً تظهر من أسواقٍ اعتاد فيها المتخصصون في مجال الاتصالات العمل ضمن هذه القيود. ففي نيجيريا، استغلت شركة التكنولوجيا المالية "بيجيفيست" تقليد الادخار الجماعي "أجو"، وأعادت صياغته لجمهورّ رقمي. ومن خلال ربط رسالتها بممارسة ثقافية راسخة، ابتكرت الشركة شيئاً بدا مبتكراً ومفهوماً في آنٍ واحد. وغالباً، لا تُوضّح هذه الأمثلة صيغةً واحدة، بل مبدأً مشتركاً مفاده أنّ التواصل يكون مؤثراً عندما يكون متجذراً في السياق، لا مفروضاً من خلال الاتساق. خلاصة القول، في العديد من الأسواق الناشئة، لا يُعدّ التميز خياراً إبداعياً، بل استراتيجيةً للبقاء، وهذا يتحول بشكلٍ متزايد إلى ظاهرةٍ عالمية.
التحول الجذري: من يتعلم ممن؟
هذا هو التغيير الحقيقي. ففي بيئاتٍ تتسم بانعدام الثقة، وتشتت وسائل الإعلام، وأهمية الفروق الثقافية الدقيقة، يجب على المتخصصين في مجال الاتصالات تجاوز الأطر التقليدية، وعليهم التجريب، والتكيف، وتطوير مناهج تعكس كيفية تفاعل الناس مع المعلومات. ونتيجةً لذلك، لم تعد الأسواق الناشئة تكتفي بتكييف أفضل الممارسات العالمية، بل أصبحت هي منشئتها.
إنّ بعضاً من أكثر أساليب سرد القصص تأثيراً في العالم اليوم لا يأتي من الأسواق التي لطالما شكلت ملامح هذه الصناعة، بل من أسواقٍ اضطر فيها المتخصصون في مجال الاتصالات إلى إعادة النظر في مفهوم التأثير من جذوره، دون الاعتماد على شبكات الأمان التي توفرها علاقات وسائل الإعلام التقليدية، ودون افتراض الثقة المؤسسية، ودون ميزانيةٍ كافية للتعويض عن ضعف الإبداع. هذا ليس تحولاً هامشياً، بل إعادة توزيعٍ للقيادة الإبداعية والاستراتيجية. ومن ثم، لم يعد السؤال هو كيف يمكن للأسواق الناشئة اللحاق بالركب، بل كيف يمكن لبقية العالم اللحاق بهذا التحول.
ماذا يعني هذا لقادة العلاقات العامة؟
إنّ إدراك هذا التحول أمرٌ يسير نسبياً، لكنّ الاستجابة له بفعالية تتطلب ما هو أصعب: التخلي عن المسلّمات التي شكلت هذه المهنة لعقود. السؤال المحوري الآن هو: هل ما زلنا نتمسك براحة الاتساق العالمي، أم أننا نملك الشجاعة للسماح للسياق المحلي بتوجيه نهجنا؟
أولاً، من الحملات العالمية إلى سرد القصص اللامركزي: غالباً ما يكون تطوير سردٍ مركزي ونشره عالمياً أمراً غير مجدٍ، ذلك أنّ سرد القصص الموزع لا يعني منح الفرق الإقليمية مزيداً من الحرية الإبداعية، بل يعني عكس التوجيهات، والبدء بالسياق الثقافي والبناء عليه تصاعدياً، بدلاً من البدء برسالة وتكييفها تنازلياً. بالنسبة لمعظم المؤسسات، يعد هذا تغييراً هيكلياً لا إبداعياً، لذلك يجب أن يتماشى الهيكل التنظيمي مع هذه الرؤية.
ثانياً، من التوطين إلى الإبداع المشترك: إنّ ترجمة الرسائل أو استبدال العناصر البصرية لا يعالج سوى ظاهر المشكلة لا جوهرها، إذ يتطلب التواصل الفعال العمل مع الأصوات والمبدعين والمجتمعات المحلية لصياغة سردياتٍ متجذرة في السياق الثقافي والتجربة المعيشية. ويتطلب هذا التخلي عن قدر من التحكم في الرسائل، وهو أمرٌ لا تسمح به بنية العديد من وظائف الاتصالات. بيد أنّ هذا الشعور بعدم الارتياح يستحق التقبّل.
ثالثاً، من المصداقية المؤسسية إلى ثقة المجتمع: في العديد من الأسواق، لم تعد المصداقية ترتكز على وسائل الإعلام الرئيسية أو السلطة الرسمية، بل تُبنى من خلال شبكات الأقران، والخبرات المشتركة، والتأييد الجماعي. لكن لا يمكن خلق هذه المصداقية عند الحاجة إليها، مما يعني الاستثمار في التواجد المجتمعي وبناء علاقاتٍ مع المؤثرين قبل وقتٍ طويل من إطلاق الحملة. ويعني أيضاً قياس التأثير بطرقٍ لا تظهر في معظم لوحات المعلومات، ويعني التسليم بأنّ الصوت الأكثر موثوقية في سياقٍ معين قد لا يكون هو الصوت المتوقع في الخطة.
خلاصة القول، لن تتحقق الأهمية العالمية من خلال الاتساق، بل من خلال فهم السياق، والتواضع المؤسسي للوثوق به.
مركز الثقل الجديد
يشهد مركز الثقل في مجال الاتصالات العالمية تحولاً بطيئاً، لكنه ثابت. فالأسواق الناشئة لا تنتظر أن يلحق بها قطاع الاتصالات، بل تبني كياناً جديداً يتشكل وفقاً لظروفٍ وإمكانياتٍ مختلفة. لقد أمضيت ما يقارب عقدين من الزمن في قيادة استراتيجيات الاتصالات في أسواقٍ لا تُعدّ فيها هذه الديناميكيات مجرد اتجاهاتٍ ناشئة، بل واقعاً عملياً يومياً. ويشترك خبراء الاتصالات الذين رأيتهم ينجحون في هذه البيئات في سمةٍ واحدة جوهرية، ألا وهي مقاومتهم لإغراء تبرير ما لا يفهمونه مباشرةً، إذ إنهم يتعاملون مع الاختلافات الثقافية كمعلومة لا كضجيج.
إنّ القدرة على التساؤل بصدق عن كيفية عمل الاتصالات، بدلاً من مجرد معرفة مصدرها، قد تكون أهم مهارة يمكن لأخصائي العلاقات العامة تنميتها في العقد القادم. وفي النهاية، لن يُصاغ مستقبل العلاقات العامة في قاعات الاجتماعات، بل في أسواقٍ تتحدّد فيها معالم الاتصالات يومياً بين الثقافة والمجتمع والإبداع. ومن يفهم هذا التحول سيقود الحقبة القادمة من التأثير العالمي، أما من لا يفهمه، فسيتم ببساطة نقله، وربما تجاهله.
المؤلّفةراميا تشاندراسيكاران
راميا تشاندراسيكاران، رئيسة قسم الاتصالات في مجموعة كيو آي (QI Group).
مجموعة QIهي تكتل عالمي متعدد الجنسيات، تأسست في هونغ كونغ عام 1998 على يد رجل الأعمال فيجاي إسواران .
تدير المجموعة محفظة متنوعة من الأنشطة التجارية التي تمتد عبر آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، وتشمل مجالات التعليم، الضيافة والسياحة، السلع الفاخرة، التجارة الإلكترونية والبيع المباشر، والعقارات والخدمات اللوجستية.
تعمل المجموعة تحت شعار "ارفع نفسك لخدمة البشرية" (RYTHM) وتؤكد على قيم النزاهة والخدمة والاستدامة والقيادة. كما أنها تدعم مبادرات الاستدامة البيئية والمسؤولية الاجتماعية من خلال ذراعها الخيرية "مؤسسة RYTHM".
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
Follow IPRA
اخر المقالات
اخر الاخبار