الاتصالات في الأسواق المعقدة: مفاهيمُ خاطئة للعلامات التجارية العالمية حول الشرق الأوسط

677 الاتصالات في الأسواق المعقدة: مفاهيمُ خاطئة للعلامات التجارية العالمية حول الشرق الأوسط

في منطقةٍ بالغة الأهمية تجارياً ومتعددة الطبقات من حيث السمعة مثل الشرق الأوسط، ينبغي للذكاء الاتصالي المحلي أن يشكّل الاستراتيجية في وقتٍ مبكر، لا أن يُضاف إليها كاملاً في النهاية.

بقلم فراس سليمFiras Sleem

على مرّ السنين، حظيتُ بشرف المساهمة في مجموعةٍ واسعة من العلامات التجارية العالمية، والحملات، ومنصات التواصل البارزة. فبدءاً من إطلاق "جوجل" في العالم العربي عام ٢٠٠٨، وحملة "إتش بي" بعنوان "الحاسوب أصبح شخصياً من جديد"، مروراً بالعمل الإقليمي على علامة "جيليت" التابعة لـ"بروكتر آند غامبل" بمشاركة تايغر وودز وروجر فيدرير وتييري هنري، وإطلاق "فولكس فاجن إيوس"، وصولاً إلى إطلاق تقرير "دي إتش إل" العالمي للاتصالات من دبي عام ٢٠٢٣ بالتعاون مع جامعة نيويورك، وغير ذلك الكثير.

ولم يقتصر العمل على هذه المشاريع على تعريفي بأفكار التواصل العالمية الرائدة فحسب، بل ساهم أيضاً في صقل فهمي لما يتطلبه الأمر لجعل هذه الرسائل تلقى صدىً حقيقياً في الشرق الأوسط. والأهم من ذلك، أنّ هذه التجارب عززت درساً أساسياً ظلّ محورياً في رؤيتي للتواصل، ألا وهو: حتى أقوى العلامات التجارية العالمية تحتاج إلى صياغة رسالتها بذكاءٍ محلي كافٍ، وملاءمة، وحساسية استراتيجية، لكي تكتسب وزناً حقيقياً في السوق.

ذلك أنّ الاختبار الحقيقي للتواصل لا يقتصر أبداً على جودة الرسالة المكتوبة وحدها، بل يكمن في مدى ملاءمة تلك الرسالة ومصداقيتها وقوتها الاستراتيجية بمجرد دخولها إلى سوقٍ محددة، بكلّ ما تحمله هذه السوق من توقعات، وأصحاب مصلحة، وحساسيات، وواقع معاش.

وهذا ينطبق بشكلٍ خاص على منطقة الشرق الأوسط، إذ أصبحت العلامات التجارية العالمية أكثر تطوراً في استراتيجياتها للنمو عبر المنطقة. فهي تستثمر بجدية، وتُعيّن قياداتٍ إقليمية، وتبني شراكات، وتتحدث بثقة عن طموحاتها. ومع ذلك، لا يزال الكثيرون يتعاملون مع الاتصالات هنا بعقليةٍ أقل نضجاً من استراتيجيتهم التجارية، إذ غالباً ما يُنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقةً يمكن تعديل الاتصالات فيها في المرحلة النهائية، بدلاً من صياغتها بشكلٍ سليم منذ البداية.

فالواقع أنّ تحدي الاتصالات في الشرق الأوسط لا يقتصر على الظهور، أو توزيع الرسائل، أو إطلاق الحملات؛ بل يتعلق بما إذا كانت العلامة التجارية تفهم حقاً البيئة التي تسعى لبناء الثقة فيها. ففي هذا الجزء من العالم، ترتبط الاتصالات ارتباطاً وثيقاً بالسمعة، والثقة المؤسسية، ومصداقية السوق على المدى الطويل. ولهذا السبب تحديداً، لا تزال العديد من الروايات المصقولة عالمياً تحقق أداءً ضعيفاً هنا: ليس لأنّ الرسالة نفسها ضعيفة، بل لأنّ القراءة الاستراتيجية للسوق ليست قويةً بما فيه الكفاية.

مجموعةٌ من الأسواق المتباينة

من أكثر الأخطاء شيوعاً واستمراراً التي ترتكبها العلامات التجارية العالمية هو التعامل مع الشرق الأوسط باعتباره فضاءً واحداً للتواصل. فهو ليس كذلك، بل هو مجموعةٌ من الأسواق المتميزة، لكلٍ منها وتيرتها الخاصة، وهياكلها المؤسسية، وتوقعات أصحاب المصلحة، وعاداتها الإعلامية، وحساسياتها المرتبطة بالسمعة، أي العوامل الدقيقة التي تحدد كيفية تلقي الجمهور للرسائل ومدى ثقته بمصدرها. فالرسالة التي تبدو متوازنة بشكلٍ مناسب في سوقٍ ما، قد تحتاج إلى نبرةٍ مختلفة في سوقٍ آخر. والمتحدث الرسمي الذي يبدو موثوقاً في سياقٍ معين، قد يبدو غير متمركز محلياً في السياق التالي. والرواية الإقليمية قد تبدو متماسكة على شريحة العرض التقديمي، لكنها مع ذلك تفشل في حمل ثقلٍ محلي إذا لم تتم معايرتها وفقاً لحقائق السوق.

وهنا، غالباً ما تبدأ أطر الاتصالات العالمية بالضعف. فالمقر الرئيسي، وبشكلٍ مفهوم، يسعى إلى تحقيق الاتساق. لكنّ الاتساق لا يكون مفيداً إلا عندما ينتقل مقترناً بالملاءمة. فتكرار الرسالة نفسها في كلّ مكان قد يخلق توافقاً داخلياً، لكنه لا يخلق بالضرورة مصداقيةً خارجية. ذلك أنّ التواصل القوي في الأسواق المعقدة لا يعني توحيداً جامداً، بل الحفاظ على التماسك الاستراتيجي مع السماح للرسالة بأن تعكس كيفية بناء الثقة فعلياً في كلّ بيئة.

ومن الأخطاء الشائعة أيضاً الخلط بين الظهور والقوة. إذ لا تزال العديد من العلامات التجارية تقيس نجاح اتصالاتها من خلال مدى الانتشار: حجم التغطية، وتكرار الإشارات، وحصة الصوت، والوصول الرقمي، وضجيج الحملات. صحيحٌ أن لهذه المقاييس أهميتها، لكنها في الشرق الأوسط نادراً ما تكون كافية وحدها. فالعلامة التجارية يمكن أن تكون ظاهرةً للعيان، ومع ذلك تفتقر إلى الجدية. كما يمكن أن تتصدر عناوين الأخبار، ومع ذلك لا يُنظر إليها على أنها ذات مصداقيةٍ كافية لدى أصحاب المصلحة الأكثر أهمية.

ويعود السبب في ذلك إلى أنّ السمعة في هذه المنطقة تتشكل غالباً من خلال منظومةٍ أوسع وأكثر تعقيداً مما تتوقعه بعض الفرق العالمية. فالجمهور ليس المستهلك فقط، بل يشمل أيضاً الجهة التنظيمية، والشريك المؤسسي، والمستثمر، ووسائل الإعلام المتخصصة، وقاعدة الموظفين، ومجتمع الأعمال الأوسع، وفي كثيرٍ من الأحيان، المزاج العام للجمهور. فالاتصالات التي تؤدي أداءً جيداً على السطح، ولكنها تصل بشكلٍ ضعيف عبر هذه المنظومة الأوسع، ليست اتصالاتٍ قوية، بل هي مجرد نشاطٍ لا غير.

ولهذا السبب، ينبغي التعامل مع دور الاتصالات الإقليمية بشكلٍ استراتيجي أكبر بكثير مما يحدث غالباً. ومع ذلك، في العديد من المؤسسات، لا يزال يتم إشراك الوظيفة الإقليمية في وقتٍ متأخرٍ جداً. فتُطوَّر الرواية في مكان آخر، ويُعتمد التموضع خارج السياق المحلي، ويُوضع هيكل الرسائل الرئيسي في مكانٍ آخر أيضاً، ثم يُطلب من الفريق المحلي تنفيذها، وتكييفها، وتوزيعها، وتحقيق الانتشار لها.

ففي منطقةٍ بالغة الأهمية تجارياً ومتعددة الطبقات من حيث السمعة مثل الشرق الأوسط، ينبغي للذكاء الاتصالي المحلي أن يشكّل الاستراتيجية في وقتٍ مبكر، لا أن يكون مجرد ديكور يُضاف في النهاية. فغالباً ما تكون الفرق الإقليمية هي أول من يكتشف أين تفتقر الرسالة إلى الإثبات، وأين تبدو النبرة غير منسجمة، وأين قد تبدو الحملة منفصلة عن الواقع، أو أين قد لا يكون المتحدث الرسمي مناسباً للحظة الراهنة. إنهم يفهمون متى لا تكون المشكلة في الرسالة نفسها، بل في الافتراضات الكامنة وراءها. إنّ استبعاد ذلك الذكاء حتى المراحل النهائية لا يحمي اتساق العلامة التجارية، بل يُضعف الجودة الاستراتيجية.

إنّ العلامات التجارية التي تتواصل بشكلٍ جيد في الشرق الأوسط عادةً ما تدرك أمراً بسيطاً للغاية: السوق لا يكافئ أولئك الذين يأتون فقط بلغةٍ مصقولة، بل إنه يستجيب لمن يظهرون فهماً عميقاً. وهذا الفهم يتجلى في كيفية تموضع العلامة التجارية، ودقة اختيارها لحظات ظهورها، ومدى توافق أقوالها مع أفعالها، وجديتها في التعامل مع أصحاب المصلحة إلى ما وراء الواضحين منهم.

ولعلّ التوقيت، على وجه الخصوص، من أكثر العوامل التي تغفلها الفرق العالمية. فالرسالة يمكن أن تكون صحيحةً من الناحية التقنية، ومع ذلك تفشل في تحقيق أثرها إذا دخلت السوق في الوقت الخطأ، أو عبر القناة الخاطئة، أو دون وعيٍ كافٍ بالمناخ المحيط. فالشرق الأوسط ليس بيئةً سلبية يمكن ببساطة إدراج الرسائل فيها، بل هو بيئةٌ ديناميكية تُفسَّر فيها الرسائل من خلال سياقٍ سياسي، واقتصادي، وثقافي، ومؤسسي. ولا يشترط أن يكون هذا السياق دراماتيكياً ليكون مؤثراً، ففي بعض الأحيان تظهر الفجوة بطرقٍ أكثر دقة: في تعليقاتٍ تبدو منفصلة عن الواقع، أو في رواياتٍ تبدو مستوردة، أو في رسائل تبدو مصقولة ولكنها تفتقر إلى العمق والوزن.

إخفاقات السلطة الصامتة

وهذه هي المشكلة الحقيقية في كثيرٍ من الأحيان. فإخفاقات التواصل في هذه المنطقة ليست دائماً دراماتيكية أو علنية، بل غالباً ما تكون إخفاقاتٍ صامتة للسلطة. فالبيان الصحفي يكون جيداً، لكنه غير مقنع. والحملة تكون أنيقة، لكنها غير متمركزة في الواقع. وتبدو القيادة الفكرية مطلعة، لكنها غير محددة. ويقول تصريح المسؤول التنفيذي الأشياء الصحيحة، لكنه لا يوحي بفهمٍ حقيقيٍ للسوق. وتبقى العلامة التجارية حاضرة، لكنها لا تحظى بثقةٍ كاملة.

أما المؤسسات التي تتجنب هذه الأخطاء، فتميل إلى تبني نظرةٍ أكثر نضجاً للتواصل. فهي تدرك أنّ دور التواصل ليس تحسين مظهر الاستراتيجية بعد وقوعها، بل تعزيزها وجعلها أقوى قبل وصولها إلى السوق. كما تدرك أنّ تعقيد أصحاب المصلحة ليس عائقاً يمكن تبسيطه وتجاوزه، بل هو واقعٌ يجب التخطيط في ضوئه. وتدرك أنّ انضباط السرد مهم، لكن قيمة هذا السرد لا تتحقق إلا عندما يمكنه الاحتفاظ بمصداقيته عبر مختلف الأسواق والجماهير. وتدرك أيضاً أنّ التواصل في الشرق الأوسط ليس مجرد وظيفةٍ داعمة لنمو الأعمال، بل هو في كثيرٍ من الحالات أحد الشروط الأساسية التي تجعل ذلك النمو مستداماً.

ولا يعني أيٌّ مما سبق أنّ على العلامات التجارية العالمية تجزئة هويتها من سوقٍ إلى آخر، ولا يعني أيضاً إعادة ابتكار كلّ رسالة. ولكنه يعني ضرورة التعامل مع الشرق الأوسط باعتباره بيئة اتصالاتٍ جادة قائمةً بذاتها، وليس مجرد محطةٍ أخيرة في سلسلة التوسع العالمي.

لم يعد السؤال الحقيقي للعلامات التجارية العالمية عن مدى حضورها في الشرق الأوسط، فكثيرٌ منها حاضرٌ بالفعل. بل السؤال الأكثر أهميةً هو: هل تتواصل هذه العلامات بذكاءٍ كافٍ، وجدية، وفهمٍ عميق للسياق، لكسب ثقة الجمهور هنا؟

فالتواصل، في الأسواق المعقدة، لا يقتصر على مجرد إسماع الصوت؛ بل يتعداه إلى أن يكون مفهوماً على النحو الصحيح.

المؤلّففراس سليم

يتمتع فراس سليم بخبرة واسعة كمستشار أول للاتصالات. عمل سابقاً في قسم الاتصالات بجامعة أوتاوا، ويقود حالياً برامج إقليمية شاملة في قطاعات الشركات والشؤون العامة والتسويق بين الشركات في منطقة الشرق الأوسط. يشغلمنصب الرئيس التنفيذي لشركة "فيرتشو للعلاقات العامة والتسويق"، وهي شركة استشارات اتصالات استراتيجية مقرها دبي.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-677-communications-in-complex-markets-what-global-brands-still-misunderstand-about-the-middle-east/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org