الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الاتصال: التشابه والافتقار إلى التميز
678 الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الاتصال: التشابه والافتقار إلى التميز
عندما يعمل عددٌ كافٍ من الأشخاص باستخدام تعليماتٍ نصية متشابهة ويحصلون على مخرجاتٍ متشابهة، يبدأ العمل في التماثل. وينتج عن ذلك محتوى أكثر، لكن بتميزٍ أقل.
بقلم: جيريميسيوJeremy Seow
لا شكّ أنّ الذكاء الاصطناعي يُسرّع عمليات الاتصال، وهذا أمرٌ بديهي. لكن ما هو أقل وضوحاً هو ما إذا كان العمل نفسه يتحسّن بالفعل.فبعد بضع سنواتٍ من كلّ هذا، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً مدمجاً في روتين عمل معظم الفرق. فهو يعمل في الخلفية، يجمع الأبحاث، ويكتب المسودات الأولية، ويلخص المواضيع المطولة، كما يساعدك على الانتقال من لا شيء إلى شيء ملموس في دقائق بدلاً من ساعات.وهذا مفيدٌ بلا شك. من يقول غير ذلك يُبالغ على الأرجح.لقد ساهم في تقليل التعقيدات، وسرعة الإنجاز وتقليل الجهد. والعمل الذي كان يستغرق وقتاً طويلاً أصبح الآنيُنجز بسرعة.لكن السرعة غالباً ما تُوهم بالتقدم. وهنا يبدأ الإحساس بالخلل.لأنّ السرعة لا تعني بالضرورة الجودة.
أين تكمن القيمة الحقيقية؟
في الواقع، لم تكن قيمة الاتصالات، وخاصةً على المستوى الاستشاري، يومًا مُقتصرةً على الناتج بحد ذاته، بل على التفكير الكامن وراءه. أي ما نختار قوله، وما نتجاهله، ولماذا. إضافةً إلى قراءة الموقف بدقة قبل اتخاذ قرار بشأن كيفية الرد. ومعرفة متى يجب معالجة أمرٍ ما، ومتى يُفضّل تركه وشأنه.ذلك هو العمل الذي يدفع الناس مقابله، ليس فعل إنتاج الاتصال وإنما الحكم والتقدير الكامن وراءه.ولا يصبح الأمر أسهل بمجرد تطور الأدوات.فرغم كل شيء، نادراً ما يكون الحكم في هذا المجال يسيراً. فهو تحديد ما إذا كان الرد سيُلاقي استحساناً أم سيُقوّض الثقة تدريجياً. إنه اختيار أسلوبٍ ناجح في سوقٍ ما، ثم إدراك أنه قد يفشل، أو الأسوأ من ذلك، يُؤدي إلى نتائج عكسية في سوقٍ آخر. إنه النظر في سيلٍ من الإشارات، وتحديد أيها يهم وأيها لا يهم.بل إنه أحياناً يكمن في إدراك أنّ الإجابة الأكثر أماناً ليست بالضرورة هي الإجابة الصحيحة. لذا،لا يزال ذلك الجزء إنسانياً، كما أنه لا يزال هو المكان الذي تكمن فيه القيمة.
ما لا تفعله الأدوات
معظم الأدوات التي نستخدمها لا تُعالج جوهر الموضوع، ذلك أنها صُممت لمساعدتك على إنجاز المهام فقط، وكتابة المسودات وتلخيصها بسرعة، وجمع المعلومات بطريقة منظمة. إنها مفيدة، نعم. لكنها لا تُساعدك على تحديد ما هو مهم. كما أنها لا تُحافظ على السياق بمرور الوقت. ولا تُحفزك على التفكير في الموقف.
إنها تُساعدك على التحرك، لكنها لا تُساعدك بالضرورة على التفكير.
لذا، يُصبح العمل أسرع، لكن الحكم والتقدير لا يواكبان هذه السرعة.
عندما يبدأ كل شيء بالتشابه
إلى جانب ما سبق. هناك تأثيرٌ آخر هنا أيضاً. حيث لا تقتصر فائدة الأدوات على المساعدة في إنتاج العمل فحسب، بل إنها مع مرور الوقت تبدأ في تشكيل ملامح العمل الجيد. فالصياغة، والبنية، وطريقة بناء الحجج، كلها أنماط ليست محايدة، بل تنبع من البيانات، والتدريب، وكيفية بناء النماذج. إذا استخدمتها بكثرة، ستبدأ في استيعابها.
ومن ثم تلاحظ ذلك أولاً في تفاصيل صغيرة، كعبارة مألوفة، أو إيقاع معين في الكتابة. حيث يبدو كل شيء واضحاً، ومكتملاً، ومنقحاً بعض الشيء.
ثم لا يلبث هذا التأثير أن ينتشر. فعندما يعمل عدد كافٍ من الأشخاص على محفزات وأوامر نصية متشابهة وينتجون مخرجاتٍ متشابهة، يبدأ العمل بالتماثل والتقارب. فتحصل على محتوى أكثر، لكن بتميز أقل. وتسير الأمور بشكلٍ أسرع، لكنها تبدأ بالتشابه في الأسلوب.
وفي هذا المجال، هذه ليست مشكلة بسيطة. لأنه بمجرد أن تبدأ اللغة بالتقارب، يميل التفكير إلى التقارب أيضاً. وبالتالي يتقلص نطاق ما يُعتبر إجابة "جيدة" تدريجياً. كما يقل احتمال ظهور الزاوية الأقل وضوحاً، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها لا تتناسب تماماً مع النمط. فيصبح العمل أكثر سلاسة وأكثر أماناً أيضاً. أي أسهل للموافقة عليه، وأصعب لتذكره. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لماذا يُشكّل التشابه مشكلةً حقيقية
لأنّ الاتصال لا يخلق قيمة بكونه صحيحاً بشكلٍ عام. بل يخلق قيمة بكونه صحيحاً بشكلٍ خاص. وذلك من خلال فهم الفروق الدقيقة، وإدراك أنّ الموقفين المتشابهين قد يكونان مختلفين جداً في الواقع. ومساعدة المؤسسة على قول شيء يخترق الضوضاء، بدلاً من أن يندمج مع كل ما حوله. فعندما يبدأ هذا التشابه بالتراجع، فإنّ التأثير لا يقتصر على الجانب الإبداعي فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب التجاري أيضاً.
عندئذٍ تبدأ العلامات التجارية بالظهور بمظهرٍ متشابه، وتصبح النصائح مألوفة، حتى وإن كانت سليمة من الناحية الفنية. ومع مرور الوقت، يصعب على العملاء تحديد مصدر القيمة الحقيقية.
خلاصة القول، التشابه ليس حيادياً، بل هو الطريقة التي تبدأ بها الأمور بفقدان أهميتها تدريجياً.
ما الذي يجب تغييره؟
بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي غير مفيد، بل هو مفيدٌ بالفعل. فهو يُوسّع نطاق المعلومات، ويُساعد في اختبار اللغة، وتأكيد الأفكار، والوصول إلى نقطة انطلاق أكثر تطوراً بشكلٍ أسرع. لذا، هو يُحسّن جودة العمل عند استخدامه بالشكل الأمثل.
لكن هذا يعتمد على الغرض من استخدامه. فإذا كان الهدف هو السرعة فقط، فإنّ معظم الفرق قد وصلت إلى هذا الهدف بالفعل. أما إذا كان الهدف هو تحسين التفكير، فإن المعايير تكون أعلى. وهذا يعني التساؤل عما إذا كانت هذه الأدوات تُساعد في ربط المعلومات الصحيحة، وفهم السياق المناسب، والتوصل إلى قرارات أفضل، أم أنها تُساعد فقط في زيادة الإنتاجية، وبسرعة أكبر، ضمن الإطار نفسه.
إنه سؤالٌ آخر لا يتعلق بالكفاءة بل بالحكمة المهنية. كما أنه يُغيّر من وجهة النظر. فالتركيز أقل على الكم، وأقل على السرعة لذاتها، وأكثر على ما يُؤثر فعلياً في الحكم. ومن ثمّ، ما الذي يُساعد في فهم الإشارات المتضاربة بدلاً من مجرد تلخيصها؟ ما الذي يُساعد في فهم السياق عبر المحادثات، والأسواق، واللحظات المختلفة؟، وما الذي يساعدك على اختبار مدى صمود رسالةٍ معينة بعد خروجها إلى العالم؟.
إنّ هذه الأسئلة أصعب، ولا توجد لها إجاباتٌ جاهزة، لكنها أقرب إلى جوهر القيمة الحقيقية.
السؤال الحقيقي
باختصار، يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج شيء يبدو مقنعاً، لكنه ليس مضطراً للتعايش مع عواقبه. و هذا الفرق مهم في مجال الاتصال. لأنّ ما نقوله لا يُنشر فحسب، بل يُعمل به وتتخذ على أساسه الإجراءات.
والمسؤولية عن ذلك لا تقع على عاتق الأداة، بل علينا نحن. لذا، السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كنا نستخدم الذكاء الاصطناعي -فهذا الجزء محسوم- وإنما السؤال هو: ما تأثيره على طريقة التفكير الكامنة وراء العمل؟ هل يجعل هذا التفكير أكثر دقة؟ أكثر رسوخاً؟ أكثر تميزاً؟ أم أنه يدفعنا بهدوء نحو اللغة نفسها، والأفكار نفسها، والإجابات نفسها؟
في المحصلة، سيستمر الذكاء الاصطناعي في تسريع العمل، وهذا لن يتغير. أما ما إذا كان سيحسن العمل أم لا، فهذا ما زال متروكاً لنا. لأنّ التماثل قد ينتشر بسهولة، لكنه ببساطة لا يؤدي إلى النجاح.
المؤلّفجيريمي سيو
جيريمي سيو هو الرئيس التنفيذي للعمليات في APAC في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة أليسون. كما أنه رئيس PRCA APACجمعية العلاقات العامة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
https://www.ipra.org/news/itle/itl-678-the-real-risk-of-ai-in-communications-sameness/
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
Follow IPRA
اخر المقالات
اخر الاخبار